ثم أقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد فلما قرأه قال له: «ويلك يا شمر، لا قرب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علي! والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه. أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح. لا يستسلم والله حسين، إن نفسا أبية لبين جنبيه.» •••
قال له شمر: «أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوه ؟ وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر.»
قال: «لا، ولا كرامة لك، وأنا أتولى ذلك!»
قال: «فدونك، وكن أنت على الرجال!» (5-4) زحف الخيل
قالوا: ثم نادى عمر بن سعد: «يا خيل اركبي.»
فركب في الناس وزحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه. (5-5) سنة من النوم
قالوا: وإنه لكذلك إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت: «يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟»
قالوا: فرفع الحسين رأسه فقال: إني رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في المنام فقال لي: «إنك تروح إلينا.»
قالوا: فلطمت أخته وجهها وقالت: «يا ويلتنا!»
فقال: «ليس لك الويل يا أخية! اسكتي رحمك الرحمن.» (6) استماتة أنصاره
والله لوددت أني قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أهلك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك.
زهير بن القين
وما أكثر ما نجد في أخبار هذا المصرع المروع من أنباء البطولة والأبطال، وما أكثر ما نسمع من عبارات الفداء والإيثار!
يطلب الحسين إلى أهل بيته أن يتفرقوا عنه في سواد الليل - حين جد الجد وحزب الأمر - ويقول لهم: «إن القوم إنما يطلبونني، ولو قد أصابوني لهوا من طلب غيري.»
فيقول له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه: «لم نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدا.»
ويقول كل من أنصاره أمثال هذه الأقوال وأشباهها.
وانظر إلى أحدهم يقول: «والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فيك، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذر - يفعل ذلك بي سبعين مرة - ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك. فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.»
ويقول آخرون: «والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قتلنا كنا وفينا وقضينا ما علينا.» وهكذا . (7) في الليلة الأخيرة
ويحدثنا علي بن الحسين فيقول: إني لجالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها، وعمتي زينب عندي تمرضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له - وعنده «حوي» مولى «أبي ذر» - وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:
يا دهر أف لك من خليل
كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل
والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل
وكل حي سالك السبيل
قال علي بن الحسين: فأعادها أبي مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها، فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل.
فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت - وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع - فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: «وا ثكلاه! ليت اليوم أعدمني الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسن أخي. يا خليفة الماضي وثمال الباقي.»
فنظر الحسين فقال: «يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان.»
قالت: «بأبي أنت وأمي، يا أبا عبد الله استقتلت نفسي، فداك.»
فرد غصته وترقرقت عيناه وقال: «لو ترك القطا ليلا لنام!»
قالت: «يا ويلتا، أفتغصب نفسك اغتصابا؟ فذلك أقرح لقلبي، وأشد على نفسي.» ولطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرت مغشيا عليها.
فقام إليها الحسين، فصب على وجهها الماء، وقال لها: «يا أخية، اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ويبعث الخلق فيعودون - وهو فرد وحده - أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة.»