وأنمت عينا لم تكن بك تهجع
كحلت بمنظرك العيون عماية
وأصم نعيك كل أذن تسمع
ما روضة إلا تمنت أنها
لك مضجع ولخط قبرك موضع
دعبل
وتأبى الأقدار القاسية إلا أن يرى الحسين مصارع أهله وأنصاره واحدا بعد الآخر، وأن يثكل في كل عزيز عنده، فلا يجزع من مصاب جلل حتى يداهمه مصاب جلل،
13
وما زال يلقى المصائب الفادحة بصبر وجلد حتى حانت منيته فلحق بهم أيضا.
وقد أظهر الحسين من البسالة والإقدام ما لا مزيد عليه.
قالوا: «وكان يشد عليهم فينكشفون عنه ويفرون من أمامه، ثم إنهم أحاطوا به إحاطة.»
قالوا: وأقبل إلى الحسين غلام من أهله فأخذته أخته زينب ابنة علي لتحبسه فقال لها الحسين: «احبسيه.»
فأبى الغلام، وجاء يشتد إلى الحسين فقام إلى جنبه وقد أهوى أحدهم إلى الحسين بالسيف فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة فإذا يده معلقة، فنادى الغلام: «يا أمتاه!» فأخذه الحسين فضمه إلى صدره وقال: «يا ابن أخي، اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين.»
كيف صرع الحسين (رواية شاهد عيان)
قال حميد بن مسلم: كانت عليه جبة من خز، وكان معتما، وكان مخصوبا بالوسمة.
وسمعته يقول وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع: «أعلى قتلي تحاثون؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله أسخط عليكم لقتله مني.»
قال: «ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء.»
قال: فنادى شمر في الناس: «ويحكم! ماذا تنظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم.»
فحملوا عليه من كل جانب فضربت كفه اليسرى ضربة، وضرب على عاتقه ثم انصرفوا وهو ينوء ويكبو، وحمل عليه رجل فطعنه بالرمح فوقع، وتعاورته الرماح ووطئته الخيل.
قالوا: «فوجدوا بالحسين ثلاثا وثلاثين طعنة وأربعا وثلاثين ضربة، ثم سلبوا ما كان عليه، ومال الناس على الأسلاب والحلل والإبل فانتهبوها.»
قالوا: «فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها.»
نخبة من مراثي الشعراء
وما أروع رثاء دعبل:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى
وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي، والحسين، وجعفر،
وحمزة، والسجاد، ذي الثفنات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها
متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الألى شطت بهم غربة النوى
أفانين في الأوقات مفترقات
أحب قصي الدار من أجل حبهم
وأهجر فيهم زوجتي وبناتي
ألم تر أني - مذ ثلاثين حجة -
أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسما
وأيديهم من فيئهم صفرات
فإن قلت عرفا أنكروه بمنكر
وغطوا على التحقيق بالشبهات
قصاراي منهم أن أذوب بغضة
تردد بين الصدر واللهوات
كأنك بالأضلاع قد ضاع رحبها
لما ضمنت من شدة الزفرات
لقد خفت في الدنيا وأيام عيشها
وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
وقول سليمان العدوي:
مررت على أبيات آل محمد
فلم أرها أمثالها يوم حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها
وإن أصبحت من أهلها قد تخلت
ألا إن قتيل الطف من آل هاشم
أذل رقابا من قريش فذلت
وكانوا غياثا ثم أضحوا رزية
لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
فما حفظوا قربى النبي وحقه
لقد عميت عن ذاك منه وصمت
وقول زوج الحسين عاتكة بنت نفيل:
14
وحسينا فلا عدمت حسينا
أقصدته أسنة الأعداء
غادرته بكربلاء صريعا
جادت المزن في ذرى كربلاء (10) الأسباب التي أدت إلى مصرعه
ويأتي قضاء ما لكم عنه حاجز
فألقوا إلى مولاكم بالمقالد
أبو العلاء
إن أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنهم.
أقم بهذا البلد فإنك سيد الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم ثم أقدم عليهم.
ابن عباس
لقد صرع عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - فكان لمصرع كل منهم أثر في النفس لا ينسى وجزع متجدد كلما استعدنا مصارعهم.