نصيحة
والتفت زهير بن القين إلى الحسين فقال: «يا ابن رسول الله، إن قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا بعدهم. فلعمري ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به.»
فقال الحسين: «ما كنت لأبدأهم بالقتال.»
فقال له زهير بن القين: «سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة، وهي على شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم!»
فلم يأخذ الحسين برأيه ورضخ لحكم الحر.
عمر بن سعد
وفي اليوم التالي قدم عليهم «عمر بن سعد بن أبي وقاص» من الكوفة في أربعة آلاف، أوفدهم ابن زياد لقتال الحسين.
8
قالوا: وبعث عمر بن سعد يسأل الحسين: «ماذا أتى به؟» فقال له: «كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم؛ فأما إذا كرهوني فأنا أنصرف عنهم.»
فقال عمر بن سعد: «إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.»
رسالته إلى ابن زياد
قالوا: وبعث عمر بن سعد إلى ابن زياد يقول:
أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم فسألوني القدوم ففعلت، فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم.
كتاب ابن زياد
قالوا: فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال:
الآن إذ علقت مخالبنا به
يرجو النجاة ولات حين مناص
ثم كتب إلى عمر بن سعد:
أما بعد، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت. فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه. فإذا فعل رأينا رأينا والسلام.
9 (5) مسالمة الحسين
دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس.
الحسين
ولقد طلب الحسين من عمر بن سعد أن يخلي سبيله وأن يمكنه من الرجوع من حيث أتى،
10
قالوا: «والتقى الحسين وعمر بن سعد ثلاثا أو أربعا وتشاوروا في ذلك.» (5-1) كتاب عمر بن سعد
قالوا: فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد:
أما بعد، فإن الله قد أطفأ الثائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الأمة. هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو أن نسيره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلا من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبين رأيه، وفي هذا لكم رضى وللأمة صلاح.
وقع الكتاب عند ابن زياد
قالوا: فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: «هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه! نعم قد قبلت!»
وسيط السوء
قالوا: فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: «أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك؟ والله لئن رحل من بلدك - ولم يضع يده في يدك - ليكونن أولى الناس بالقوة والعز، ولتكونن أولى الناس بالضعف والعجز! فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن. ولكن لينزل على حكمك - هو وأصحابه - فان عاقبت فأنت أولى بالعقوبة وإن غفرت كان ذلك لك.
والله لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل!» •••
فقال له ابن زياد: «نعم ما رأيت، الرأي رأيك!»
قالوا: ثم دعاه فقال له: «اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما. وإن هم أبوا فليقاتلهم. فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى فقاتلهم فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.» (5-2) كتاب ابن زياد
ثم كتب إلى عمر بن سعد:
أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعا.
انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون. فإن قتل حسين فأوط الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم.
إلى أن قال: «فإن فعلت هذا به جزيناك جزاء السامع المطيع. وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا والسلام.» (5-3) قدوم شمر بن ذي الجوشن