تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هيج فأنا الزعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم، والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف.»

فقال له الحسين: «جزاك الله وقومك خيرا، قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول؛ لسنا نقدر على الانصراف، ولا ندري على ما تنصرف بنا وبهم الأمور في عاقبة.»

فودعه الطرماح قائلا: «دفع الله عنك شر الإنس والجن، إني قد امترت لأهلي من الكوفة ميرة ومعي نفقة لهم فآتيهم فأصنع ذلك فيهم، ثم أقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فوالله لأكونن من أنصارك.»

4

مقابلة عبيد الله بن الحر

ويسير الحسين فيرى فسطاطا في طريقه فيسأل: «لمن هذه الفسطاط؟»

فيقال له: «هي لعبيد الله بن الحر الجعفي.»

فيقول: «ادعوه إلي.»

فإذا جاءه الرسول قال له: «هذا الحسين بن علي يدعوك.»

فيقول عبيد الله بن الحر: «إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها. والله ما أريد أن أراه ولا يراني.»

فيعود الرسول إلى الحسين يخبره بما سمعه منه،

5

فيقوم الحسين قاصدا إليه حتى يدخل عليه فيسلم ثم يجلس.

6

ويدعوه الحسين بعد ذلك إلى الخروج معه لنصرته فيعيد عليه ابن الحر تلك المقالة فيقول له الحسين: «فإلا تنصرنا فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا.»

فيقول: «أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله.»

فلا يجد الحسين أمامه إلا الرجوع من حيث أتى.

قالوا: «ثم قام الحسين من عنده حتى دخل رحله.»

7 (3) حلم

يا بني، إني خفقت برأسي خفقة، فعن لي فارس على فرس فقال: «القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم.» فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا.

الحسين

وهكذا لا يكاد يغادر الحسين «عبد الله بن الحر» ويسير ساعة حتى يخفق برأسه خفقة ثم ينتبه وهو يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين!»

ثم يفعل ذلك - فيما يقولون - مرتين أو ثلاث، فيقبل إليه ابنه علي بن الحسين فيسأله عن سر هذا الوجد فيقص عليه هذا الحلم المروع فيقول له: «يا أبت، لا أراك الله سوءا، ألسنا على الحق؟»

فيقول له: «بلى والذي إليه مرجع العباد.»

فيقول له: «يا أبت، إذن لا نبالي، نموت محقين.»

فيقول له: «جزاك الله من ولد خير ما جزى والدا عن ولده.» (4) في اليوم التالي

قالوا: «فلما أصبح الصباح ساروا حتى انتهوا إلى «نينوى» فإذا راكب على نجيب وعليه السلاح متنكب قوسا مقبل من الكوفة.»

قالوا: «فوقفوا جميعا ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلم على «الحر بن يزيد» وأصحابه ولم يسلم على الحسين وأصحابه.»

كتاب ابن زياد

ثم أعطى «الحر» كتابا من عبيد الله بن زياد، يقول له فيه:

أما بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء. وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري والسلام.

في العراء

وقد أنفذ «الحر» وصية ابن زياد وأخذ الحسين ومن معه بالنزول في ذلك المكان - على غير ماء ولا في قرية - وعبثا حاولوا أن يسمح لهم بالنزول في مكان آخر، فقد أصر على إنفاذ أمر مولاه ولم يحد عنه قيد أنملة.

قالوا له: «دعنا ننزل في هذه القرية - يعنون نينوى - أو هذه القرية - يعنون الغاضرية - أو هذه الأخرى، يعنون شفية.»

ولكنه أبى أن يسمح لهم بذلك وقال: «ما أستطيع ذلك! هذا رجل قد بعث إلينا عينا.»

ومن العجيب أن هذا الرجل الذي يشتد في إنفاذ أمر مولاه ابن زياد، ويأبى إلا التضييق على الحسين - بكل ما أوتي من قوة - فلا يسمح له بالنزول في إحدى القرى القريبة، ويظل محاصرا الحسين حتى يسلمه إلى أعدائه.

نقول إن من أعجب الأعاجيب أن هذا الرجل سينقلب نصيرا للحسين - بعد فوات الوقت - وأن يقتل بين يديه مجاهدا في سبيله، بعد أن أوقعه في الفخ وضيق عليه مسالك الأرض الرحيبة. وكم يسخر القدر من الناس!

مصارع الأعيان · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٦