تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن رعى غنما في أرض مأسدة

ونام عنها، تولى رعيها الأسد

لقد كان عبد الله بن الزبير شجاعا مقداما لا يهاب الموت، ولكن ماذا تجديه الشجاعة أمام الدهاء السياسي والحيل العجيبة التي كان يلجأ إليها أعداؤه؟

والرأي قبل شجاعة الشجعان

هو أول، وهي المحل الثاني (4) حصار مكة

حاصرت جنود يزيد مكة وقذفت الكعبة بالحجارة والصخور ثم أحرقتها وحطمت الحجر الأسود، ومات يزيد فاضطر جنوده - بقيادة الحصين - إلى الرجوع إلى بلادهم مدة من الزمن، حتى إذا انقضت الفوضى وقمعت الاضطرابات وأخضع عبد الملك البلاد إخضاعا وجه الحجاج إلى مكة لمحاصرة عبد الله بن الزبير ففعل.

قال العلامة دوزي : «ذهب الحجاج إلى تلك البقاع المقدسة وحاصر المدينة

4

وطفق يرمي الكعبة بالصخور والحجارة ليدكها دكا.

وبينما كان يقذفها بالنار - ذات يوم - هبت عاصفة شديدة فأحرقت النار اثني عشر جنديا.» قال: فرأى الجيش في ذلك عقابا من الله على انتهاك حرمة ذلك المكان المقدس فأحجم رجال الحجاج وكفوا عن ذلك. وثمة اغتاظ الحجاج وخلع بعض ملابسه وتقدم من المنجنيق فأخذ بيده حجرا ووضعه فيه ثم أطلقه بعد ذلك وهو يقول: «لقد أخطأتم الفهم، فليس معنى ما حدث هو ما دار بإخلادكم. ألا إنني جد خبير بطبيعة هذه البلاد التي نشأت فيها وربيت، ولكم رأيت لهذه العاصفة من أشباه!»

قال: «وظل يشدد الحصار عليها عدة أشهر حتى فتحها بعد أن قتل عبد الله بن الزبير سنة 932م.» •••

وحسب القارئ أن يعرف أن خصم عبد الله بن الزبير هو الحجاج ليدرك حرج الموقف وصعوبته، ونحسبنا في غير حاجة إلى وصف الحجاج. بعد أن وصفه الفرزدق بقوله:

ومن يأمن الحجاج - والجن تتقي

عقوبته - إلا ضعيف عزائمه

وقد رأى القارئ كيف أغرى الحجاج جنوده بالمال وأطمعهم في أعطيات عبد الملك ليشجعهم على اقتحام هذه البقاع المقدسة ودكها دكا.

وقد انتهت المعركة الفاصلة بهلاك عبد الله بن الزبير وانتصار الأمويين عليه كما رأيت.

| هوامش

| مصرع مصعب بن الزبير

فجاء غلام فضربه بالسيف فقتله.

قالوا: «إن عبد الملك لما أيس من مصعب كتب إلى أناس من رؤساء أهل العراق يدعوهم إلى نفسه ويجعل لهم أموالا عامة وشروطا وعهودا ومواثيق وعقودا.»

قالوا: وكتب إلى «إبراهيم بن الأشتر» يجعل له وحده مثل ما جعل لأصحابه على أن يخلعوا عبد الله بن الزبير إذا التقوا.

فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب: «إن عبد الملك قد كتب إلي هذا الكتاب وكتب لأصحابي كلهم «فلان» و«فلان» بذلك. فادع بهم - في هذه الساعة - فاضرب أعناقهم واضرب عنقي معهم.»

فقال مصعب: «ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم.»

قال إبراهيم: «فأخرى.»

قال: «وما هي؟»

قال: «احبسهم في السجن حتى يتبين لك ذلك .»

فأبى، فقال له إبراهيم بن الأشتر: «عليك السلام ورحمة الله وبركاته ولا تراني - والله - بعد في مجلسك هذا أبدا.»

وقد كان قال له قبل ذلك: «دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبدا. وهي ما شرطه الله.»

فقال له مصعب: «لا والله لا أفعل. لا أكون قتلتهم بالأمس وأستنصر بهم اليوم.»

قال: «فما هو إلا أن التقوا، فحولوا برءوسهم ومالوا إلى عبد الملك بن مروان فبقي مصعب في شرذمة قليلة.»

فجاءه «عبد الله بن ظبيان» فقال: «أين الناس أيها الأمير؟»

فقال «غدركم يا أهل العراق.»

قال: فرفع «عبد الله» سيفه ليضربه. فبدره «مصعب» بالسيف على البيضة، فنشب فيها. فجعل يقلب السيف ولا ينتزع من البيضة. قال: فجاءه غلام «لعبيد الله بن ظبيان» فضرب مصعبا بالسيف فقتله. ثم جاء «عبيد الله» برأسه إلى عبد الملك يدعي أنه قتله. قالوا: فطرح رأسه وقال:

نطيع ملوك الأرض ما قسطوا لنا

وليس علينا قتلهم بمحرم

ثم وقع عبد الملك ساجدا.

1

الأسباب التي أدت إلى مصرعه

لعل القارئ يستغني بتلك القطعة السابقة عن شرح الأسباب التي أدت إلى هلاك مصعب بن الزبير، فهي في اعتقادنا كافية لشرح أخلاقه وإظهار سر هزيمته. فأنت ترى عبد الملك لا يتعفف عن بذل المال وإغداقه على جنود أعدائه ليستميلهم به، وقد رأيت أن مصعبا كان بخيلا على الجند - وإن كان مسرفا على نفسه - حتى قال فيه القائل:

مصارع الأعيان · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٤