تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكاد يتم الأمر لعبد الله بن الزبير - رغم مناوأة مروان الذي نازعه الأمر - وكانت كفة ابن الزبير في البداية راجحة، فقد بايعه أهل البصرة وأهل مصر واجتمعت له العراق والحجاز واليمن وبايع له بعضهم في الشام سرا. ثم أصبح الناس في الشام فرقتين: اليمانية مع مروان، والقيسية مع دعاة ابن الزبير.

وتهاون ابن الزبير في الأمر واستنام لأعدائه، فانتصر الفريق الأول - بعد قتال - ودخل مروان دمشق دخول الظافر.

ولما مات مروان لاحت لعبد الله بن الزبير فرصة أخرى، فلم ينتهزها وأضاعها بتوانيه وبخله. ولقد صدق الحجاج في قولته المشهورة:

قد كان لك رجال ولكنك ضيعتهم.

وصدق عبد الملك بن مروان في قولته التي صدرنا بها هذا الفصل، حين هدده مصعب بن الزبير بأخيه عبد الله، فأجابه عبد الملك بهذه الجملة التي تلخص لنا أخلاق عبد الله بن الزبير، وتشرح لنا - بأوجز عبارة - السر في انهزامه وانفضاض الناس من حوله وانتصار خليفة أموي عليه - رغم كره جمهرة الناس ومقتهم الأمويين - لاعتقادهم أنهم أخذوا الخلافة اغتصابا، وقتلوا الحسين بن علي كما جنوا على أبيه، وأوقدوا نيران الفتن التي أودت بكثير من أجل المسلمين وكبار رجالهم المعدودين.

ولقد قال عبد الملك وهو على فراش الموت: «ما أعلم أحدا أقوى على الخلافة مني؛ إن ابن الزبير لطويل الصلاة كثير الصيام، ولكنه لبخله لا يصلح للسياسة.» •••

والحق أن الفرق بين عبد الملك وبين ابن الزبير عظيم جدا، نوجزه في أن عبد الملك أقام ملكا ثابتا على أنقاض مهدمة، وفي وسط فتن وقلاقل، حينما هدم ابن الزبير ملكا وطيدا بتهاونه وإضاعة الفرص الثمينة التي مرت به. كان عبد الملك لا يتعفف عن كبيرة في سبيل توطيد ملكه، وكان خصمه عبد الله بن الزبير يتحرج من كل ما يظن فيه أية مخالفة.

ألا ترى أن عبد الملك يظهر لعمرو بن سعيد أنه يرضى بالصلح معه على أن يعهد إليه بالخلافة من بعده، فيفرح ابن سعيد بذلك ويقبل الصلح، ثم يخدعه عبد الملك فيقتله غدرا،

2

ثم يلقي برأسه إلى شيعته وصحبه ومعها دنانير ودراهم ليشغلهم بها، ويمنيهم بالوعود الخلابة فينسيهم بهذه الرشا ثأر صاحبهم؟

فقد كان عبد الملك - كأكثر خلفاء بني أمية - جوادا سمحا يغدق المال إغداقا في سبيل تحقيق مآربه، ويبذل الوعود الكاذبة والأماني المعسولة ليظفر بغايته، غير متورع عن كذب ولا مداهنة، مستهينا بكل وسيلة - مهما كانت مرذولة - في سبيل إدراك أوطاره. وكان عبد الله بن الزبير كأخيه «مصعب بن الزبير»

3

بخيلا، لا يستميل الجنود بمال، ولا يغريهم بوعد كاذب.

كان عبد الملك - كمعاوية - يعتقد ضعف مركزه الشرعي فلا يترك وسيلة لتثبيته وتوثيق أساسه.

وكان عبد الله بن الزبير - كعلي بن أبي طالب - يعتقد أنه على حق فلا يعنى بالحيل السياسية، واهما أن الحق منتصر وحده، دون أن يفتقر إلى مداورة أو خداع.

لقد كان عبد الملك يقتدي بمعاوية في بذل المال واستخدامه في قضاء أغراضه، لتيقنه من سحره العجيب في تذليل العقبات، وتسهيل الصعاب.

وكثيرا ما اقتدى بعبد الملك عماله في استخدام المال في تذليل المستحيلات. •••

ألا ترى إلى الحجاج - وهو يحاصر الكعبة، وفيها عبد الله بن الزبير - فيأمر رجاله أن يرموها بالمنجنيق، فيحجمون، فإذا رأى ترددهم جاء بكرسي وجلس عليه وقال: «يا أهل الشام، قاتلوا على أعطيات عبد الملك.»

فلا يكادون يسمعون منه ذلك حتى يسرعوا إلى تلبية أمره إسراعا. •••

لقد أغفل عبد الله استخدام المال - كما أسلفنا - واكتفى بأن يعلم أنه محبوب من الناس، وأن أعداءه الأمويين مبغضون إليهم، وأنه في جانب الحق والأمويون في جانب الباطل.

ونسي أن الباطل إذا تعهده المبطل وقوى دعائمه وثبت أركانه تغلب - ولو إلى حين - على الحق الذي أهمله صاحبه واستهان بنصرته ولم يعن بتدعيمه.

مصارع الأعيان · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٣