تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فدخل عليه أبو مسلم - من عشية - وقام قائما بين يديه، فرحب به المنصور وتلطف معه، ولم يبد له شيئا من النفور حتى لا يرتاب في نواياه.

وقال أبو جعفر: «انصرف يا عبد الرحمن فأرح نفسك وادخل الحمام، فإن للسفر قشفا، ثم اغد علي.» فانصرف أبو مسلم وانصرف الناس معه.

وقد ندم أبو جعفر على تضييع هذه الفرصة بعد أن خرج أبو مسلم من عنده ونقم على أبي أيوب مشورته وقال له: «متى أقدر على مثل هذه الحال منه التي رأيته قائما على رجليه ولا أدري ما يحدث في ليلتي.»

ولما جاءه أبو أيوب في اليوم التالي قال له أبو جعفر والغيظ يكاد يقتله: «يا ابن اللخنا لا مرحبا بك، أنت منعتني منه أمس، والله ما غمضت الليلة.»

قال أبو أيوب: «ثم شتمني حتى خفت أن يأمر بقتلي.» (4) اللقاء الأخير

فقال عثمان قولة ضعيفة: أقتله.

ثم دنت الساعة الحرجة التي يفصل فيها التاريخ قوتين قاهرتين، ويغلب إحداهما على الأخرى، فإما أن ينتصر أبو جعفر فيطيح برأس أبي مسلم، وإما أن يتغلب عليه أبو مسلم فيطيح به وبخلافته ويغير وجه التاريخ.

ولقد كان اسم أبي مسلم وحده كافيا في إزعاج من يسمعه، وكان أبو جعفر يعرف حقيقة ما يقدم عليه من أمر خطير يتوقف مجده على النجاح فيه، ولم يكن أحد يجهل أن فشل المنصور في قتل أبي مسلم معناه الاشتباك معه في حرب طاحنة لا يعرف أي نتيجة تسفر عنها، وأن قتله ربما أثار عليه جنده فعاثوا في المدينة نهبا وقتلا ثم لا يدري أحد عاقبة الأمر. على أن من حسن حظ المنصور أن قواد أبي مسلم وأنصاره كان أكثرهم يخلص له خوفا من بطشه وجبروته، فلم يكد يقتله المنصور ويغريهم بالمال حتى انضموا إليه ونفضوا أيديهم من الأخذ بثأره، بعد أن أمنوا غائلته وبطشه بهم.

وليس أدل على الخوف من أبي مسلم من تلك الدهشة التي كانت تستولي على كل شجاع جريء حين يطلب إليه أبو جعفر أن يفتك بأبي مسلم.

انظر إلى ابن نهيك يدعوه المنصور فيقول له: «كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟» فيجيبه متحمسا: «إنما أنا عبدك، والله لو أمرتني أن أتكئ على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت.»

فيقول له وهو في حماسته هذه: «كيف أنت إن أمرتك بقتل أبي مسلم.»

وهنا يرتاع عثمان بن نهيك ويبدو عليه الذعر من هول ما يطلب إليه الإقدام عليه، وكأنما انقضت عليه صاعقة من السماء. أيقتل أبا مسلم الذي روع الدنيا ودوخ الممالك وقلب دولة وأقام مكانها أخرى، وكان يهزم الجيش الجرار اسمه وحده؟ هنا يبدو التردد والخوف. وتفتر الحماسة المتقدة، فقد طلب إليه ما لم يكن يخطر على بال.

قالوا: ووجم ساعة لا يتكلم، فقال له أبو أيوب: «ما لك لا تتكلم؟»

فلما أحرج ابن نهيك قال قولة ضعيفة: «أقتله؟!» قال: «انطلق فجئ بأربعة من وجوه الحرس.» فلما كان عند الرواق ناداه: «يا عثمان، يا عثمان.» فرجع، فقال له: «اجلس وأرسل إلي من تثق من الحرس.» وكأنما خشي المنصور أن يتردد ابن نهيك في عزيمته، إذا بعد تأثير شخصيته عليه فأمر ببقائه، وأرسل في طلب أربعة أشداء.

ولقد كان الموقف غاية في الحرج، فقد صار أبو مسلم مع المنصور في بلد واحد، وأصبح أقل همس يصل إليه عن هذه المؤامرة كافيا لإحباطها وقلب التاريخ رأسا على عقب.

وقد كان من الطبيعي أن يتقرب أحد هؤلاء إلى أبي مسلم فيفضي إليه بسر المؤامرة وينال الحظوة عنده، فقد كانت الآمال معقودة به كذلك.

ولما أحكمت المؤامرة أمرهم الخليفة أن يكونوا خلف الرواق حتى إذا صفق خرجوا فقتلوا أبو مسلم، قالوا: «أرسل إليهم رسلا بعضهم على إثر بعض.» فقالوا: «قد ركب.»

قال أبو أيوب: «فقلت يا أمير المؤمنين ألا أخرج فأطوف في العسكر فأنظر ما يقول الناس، هل ظن أحد ظنا أو تكلم أحد بشيء؟»

قال: «بلى» فخرجت، وتلقاني أبو مسلم داخلا فتبسم، وسلمت عليه ودخل فكان هذا آخر أيام أبي مسلم من الدنيا. (5) بين براثن الموت

مصارع الأعيان · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٣٦