والعجب لأبي مسلم، حطب لنار أكلته، وقتل في طاعة ولاة قتلته، وليس بأول من دأب لسواه، وأغواه الطمع فيمن أغواه، وإنما سهر لأم دفر،
4
وتبع سرابا في قفر، فوجد ذنبه غير المغتفر عند صاحب الدولة أبي جعفر، وكل ساع للفانية لا بد له من الندم.
رسالة الغفران
ولما دخل عليه أبو مسلم قال له أبو جعفر: «أخبرني عن نصلين أصبتهما في متاع عبد الله بن علي؟» قال: «هذا أحدهما الذي علي.» قال: «أرنيه» فانتضاه، فناوله فهزه أبو جعفر ثم وضعه تحت فراشه. وأقبل عليه يعاتبه، فقال: «أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين؟»
قال: «ظننت أخذه لا يحل! فكتب إلي فلما أتاني كتابه علمت أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم.» قال: «فأخبرني عن تقدمك إياي في الطريق؟»
قال: «كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس فتقدمتك التماس المرفق.»
قال: «فقولك حين أتاك الخبر بموت العباس لمن أشار عليك أن تنصرف إلي «نقدم فنرى من رأينا» ومضيت فلا أنت أقمت حتى نلحقك ولا أنت رجعت إلي؟»
قال: «منعني من ذلك ما أخبرتك من طلب المرفق بالناس وقلت تقدم الكوفة فليس عليه مني خلاف.»
قال: «فجارية عبد الله بن علي، أردت أن تتخذها؟»
قال: «لا، ولكني خفت أن تضيع فحملتها في قبة ووكلت بها من يحفظها.» قال: «فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟»
قال: «خفت أن يكون دخلك مني شيء، فقلت آتي خراسان فأكتب إليك بعذري، وإلى ذاك قد ذهب ما في نفسك علي.»
قال: «تالله ما رأيت كاليوم قط، والله ما زدتني إلا غضبا.»
فقال أبو مسلم: «ليس يقال هذا بعد بلائي وما كان مني؟»
فقال: «يا ابن الخبيثة، والله لو كنت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت، إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا.
ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك؟ والكاتب إلي تخطب آمنة بنت علي وتزعم أنك أبو مسلم بن سليط بن عبد الله بن عباس؟ لقد ارتقيت - لا أم لك - مرتقى صعبا.»
وكان أبو جعفر يقول ذلك - ويده ترتعد - فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: «يا أمير المؤمنين، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي، فإن قدري أصغر مما بلغ منك هذا.»
وأخذ أبو مسلم يده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، ولكن أبا جعفر أسرع فصفق بيده، فخرج عثمان بن نهيك فضربه ضربة خفيفة بالسيف، فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه، فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول: «أنشدك الله يا أمير المؤمنين، استبقني لأعدائك.» فدفعه برجله وقال له: «لا أبقاني الله إذن، وأي عدو لي أعدى منك؟» فضربه شبيب فقطع رجله.
فقال أبو مسلم: «وا تعساه، ألا قوة ألا مغيث!»
وصاح المنصور: «اضربوه قطع الله أيديكم.»
5
فاعتوره القوم بالسيوف فقتلوه.
| هوامش