وكأنما كان يتنبأ بمصيره حين سأله نيزك ليثنيه عن الذهاب: «قد أجمعت على الرجوع؟»
فقال له أبو مسلم: نعم، وتمثل:
ما للرجال مع القضاء محالة
ذهب القضاء بحيلة الأقوام!
فقال له نيزك: «احفظ عني واحدة، إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك.» (3) أبو مسلم في طريقه إلى مصرعه
نهاب أمورا ثم نركب هولها
على عنت من صاغرين قماء
أبو العلاء
وهكذا خدع أبو مسلم وهو الذكي الفطن، ونسي عزمه على الخلاف ونسي أن أحقاد الخلفاء وذوي السلطة لا سبيل إلى إزالتها إلا بقتل مثيرها. وكتب أبو مسلم إلى الخليفة أبي جعفر يخبره أنه منصرف إليه:
ألا يا قوم للعجب العجيب
وللغفلات تعرض للأريب
ثم أعد أبو مسلم عدته للذهاب، وسار في طريقه إلى الموت حتى وصل المدائن.
أبو جعفر يتأهب لقتل أبي مسلم
والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه.
أبو جعفر
قال شاهد عيان:
3
دخلت يوما على أبي جعفر، وهو في خباء شعر، جالس على مصلى بعد صلاة العصر وبين يديه كتاب أبي مسلم.
قال: فرمى به إلي فقرأته، ثم قال: «والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه.»
فقلت في نفسي: «إنا لله وإنا إليه راجعون، طلبت الكتابة، حتى إذا بلغت غايتها فصرت كاتبا للخليفة وقع هذا بين الناس.
والله ما أرى أنا إن قتل يرضى أصحابه بقتله، ولا يدعون هذا حيا ولا أحدا ممن هو بسبيل منه.»
قال: «وامتنع عني النوم، ثم قلت: لعل الرجل يقدم وهو آمن، فإن كان آمنا فعسى أن ينال ما يريد، وإن قدم وهو حذر لم يقدم عليه إلا في شر، فلو التمست حيلة.» وقد تملك الخوف قلبه وخشي أن يخفق التدبير المحكم في قتل أبي مسلم ففكر في حيلة أخرى تضمن الفوز.
قال: فأرسلت إلى سلمة بن سعيد فقلت له: «هل عندك شكر؟»
فقال: «نعم.» فقلت: «إن وليتك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق تدخل معك حاتم بن أبي مسلم سليمان أخي؟»
قال: «نعم.» فقلت وأردت أن يطمع ولا ينكر: «وتجعل له النصف؟» قال: «نعم» قلت له: «إن «ككر» كالت عام أول كذا وكذا وكذا، ومنها العام أضعاف ما كان أول، فإن دفعتها إليك أصبت ما تضيق به ذرعا.»
قال: «فكيف لي بهذا المال؟»
قال: «تأتي أبا مسلم فتلقاه وتكلمه غدا وتسأله أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه أن تتولاها أنت بما كالت في العام الأول، فإن أمير المؤمنين يريد أن يوليه - إذا قدم - ما وراء بابه ويستريح ويريح نفسه.»
قال: «فكيف لي أن يأذن أمير المؤمنين في لقائه؟»
قلت: «أنا أستأذن لك.»
ودخلت إلى أبي جعفر فحدثته الحديث كله، فدعا سلمة وقال له: «إن أبا أيوب استأذن لك، أفتحب أن تلقى أبا مسلم؟»
قال: «نعم.» قال: «فقلت أذنت لك، فاقرأه السلام وأعلمه بشوقنا إليه.»
وهكذا أحكمت المؤامرة من كل جهاتها وافتنوا في تدبيرها ما شاء لهم الحقد أن يفتنوا حتى أوقعوا أبا مسلم في حبالهم وهو آمن من مكرهم.
ولم يكد يخرج سلمة فيقابل أبا مسلم حتى قال له: «إن أمير المؤمنين أحسن الناس فيك رأيا» ثم عرض عليه ما جاء فيه من أمر. فانخدع أبو مسلم وطابت نفسه - بعد أن كانت كئيبة - ووعده خيرا.
قالوا: «ولم يزل مسرورا حتى قدم.»
بين يدي المنصور
لو بعث المنصور نادى «أيا
مدينة التسليم لا تسلمي
قد سكن القفر بنو هاشم
وانتقل الملك إلى الديلم
لو كنت أدري أن عقباهم
كذاك لم أقتل أبا مسلم!»
أبو العلاء
قال أبو أيوب: فلما دنا أبو مسلم من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس فتلقوه، فلما كان عشية قدم دخلت على أمير المؤمنين، وهو في خباء على مصلى.
فقلت: «هذا الرجل يدخل العشية فما تريد أن تصنع؟»
قال: «أريد أن أقتله حين أنظر إليه.»
قلت: «أنشدك الله، إنه يدخل معه الناس - وقد علموا ما صنع - فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف، فإذا غدا عليك رأيت رأيك.»
قال أبو أيوب: «وما أردت بذلك إلا دفعه بها، وما ذاك إلا من خوفي علينا جميعا من أصحاب أبي مسلم.»