تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم.

ولا كما يقول المتنبي:

أعيذها نظرات منك صادقة

أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

على أنني بذلت جهد المقل، ولم يثنني عن إظهار هذا الكتاب ضيق الوقت وازدحامه بما تنوء به صحتي المعتلة وبنيتي الضعيفة من الأعباء المرهقة، متأسيا بقول الطغرائي: «ولولا تكاليف العلى ومغارم

ثقال وأعقاب الأحاديث في غد

لأعطيت نفسي في التخلي مرادها

فذاك مرادي - مذ نشأت - ومقصدي»

كامل كيلاني

| مصرع عبد الله بن الزبير

فجاءه حجر من حجارة المنجنيق وهو يمشي فأصاب قفاه فسقط.

المؤرخون (1) الليلة الأخيرة

جمع القرشيين في الليلة التي قتل في صبيحتها فقال لهم: «ما ترون؟»

فقال رجل منهم: «والله لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا! والله لئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت معك. إنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك، وإما أن تأذن لنا فنخرج!»

فقال عبد الله: «قد كنت عاهدت الله ألا يبايعني أحد فأقيله بيعته.»

فقال رجل آخر: «اكتب إلى عبد الملك.»

فأجابه: «كنت أكتب إليه: «من عبد الله أمير المؤمنين» فوالله لا يقبل هذا مني أبدا. أو أكتب إليه: «لعبد الله أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير؟»

1

فوالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك!»

حواره مع أخيه

فقال «عروة» أخوه: «يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك أسوة.»

فقال له: «من هو أسوتي؟»

قال: «الحسن بن علي بن أبي طالب، خلع نفسه وبايع معاوية.»

قالوا: فرفع عبد الله بن الزبير رجله وضرب «عروة» حتى ألقاه، ثم قال: «يا عروة، قلبي إذن مثل قلبك؟ والله لو قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا وقد أخذت الدنية، وما ضربة بسيف إلا مثل ضربة بسوط! لا أقبل شيئا مما تقولون.» (2) في اليوم الأخير

فلما أصبح دخل على بعض نسائه فقال: «اصنعي لي طعاما.»

فصنعت له كبدا وسناما، فأخذ منها لقمة فلاكها ساعة ثم لم يسغها، فرماها.

وقال: «اسقوني لبنا.» فأتي بلبن فشرب، ثم قال: «صبرا علي غسلا.»

فاغتسل، ثم تحنط وتطيب. ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول:

ولا ألين لغير الحق أسأله

حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

حواره مع أمه

ثم دخل على أمه «أسماء بنت أبي بكر الصديق» - وهي عمياء من الكبر قد بلغت من السن مائة سنة - قالوا: فدخل عليها وسلم، فقالت: «من هذا؟» فقال: «عبد الله.» ثم قال: «ما ترين؟ قد خذلني الناس، وخذلني أهل بيتي!»

فقالت: «يا بني، لا يلعبن بك صبيان بني أمية، عش كريما ومت كريما!»

فقال لها: «إن الحجاج قد أمنني.»

قالت: «يا بني، لا ترض الدنية؛ فإن الموت لا بد منه.»

قال: «إني أخاف أن يمثل بي!»

قالت: «إن الكبش إذا ذبح لا يؤلمه السلخ!»

ساعة المصرع

قالوا: فخرج، فأسند ظهره إلى الكعبة - ومعه نفر يسير - فجعل يقاتل بهم أهل الشام، فهزمهم وهو يقول: «ويل أمه، فتح لو كان له رجال.»

فجعل «الحجاج» يناديه: «قد كان لك رجال، ولكنك ضيعتهم.»

قالوا: «فجاءه حجر من حجارة المنجنيق - وهو يمشي - فأصاب قفاه فسقط.» فما درى أهل الشام أنه هو حتى سمعوا جارية تبكي وتقول: «وا أمير المؤمنين!» فاحتزوا رأسه، فجاءوا به إلى الحجاج، فبعث به إلى عبد الملك. (3) الأسباب التي أدت إلى مصرعه

إن فيه لثلاث خصال، لا يسود بها أبدا: (1)

عجب قد ملأه. (2)

واستغناء برأيه. (3)

وبخل التزمه.

فلا يسود بها أبدا.

عبد الملك بن مروان

لا نستطيع أن نصف أسباب انكسار ابن الزبير وقتله بأكثر من هذه الخلال التي لا ينال صاحبها نجاحا، فقد أفقدته هذه الصفات كل أنصاره وأضاعت منه فرصا ثمينة، لو انتهزها لعرف كيف يثبت ملكه ويوطد أسس خلافته.

فقد لاحت لعبد الله بن الزبير فرصة لا تعوض، وهي موت خصمه اللدود «يزيد» وبدأت الأمور تضطرب حين تنازل خلفه معاوية عن الخلافة بعد أن لبث فيها أياما.

مصارع الأعيان · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٢