وكتب المهلب إلى الحجاج:
أما بعد، فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك وهم مثل السيل المنحدر من عل، ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره، وإن لأهل العراق شرة في أول مخرجهم وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شيء يردهم حتى يسقطوا إلى أهليهم ويشموا أولادهم ثم واقفهم عندها، فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله.
ولكن حقد الحجاج على عبد الرحمن وغيظه منه كان قد بلغا أقصى مدى، فأعمياه عن سماع هذه النصيحة الحكيمة، كما أعميا خصمه عبد الرحمن عن الرجوع إلى سبيل الرشد، فكانت الحرب الهوجاء الطاحنة التي كادت تعصف بالحجاج فتهلكه، ثم دار القدر دورة أخرى في الساعة الحاسمة فانهزم عبد الرحمن وغنم الحجاج الفوز في ساعة اليأس المميت.
ولقد استهان الحجاج برأي المهلب وظنه يخدعه، فقال بعد قراءته: «فعل الله به وفعل، لا والله ما لي نظر، ولكن لابن عمه نصح.»
والحق أن المهلب قد نصح ابن عمه كما نصح الحجاج، وكان بعيد النظر سديد الرأي موفق التدبير، وقد ظهر للحجاج بعد نظر المهلب وصدق رأيه حين هزمه ابن الأشعث فقال: «لله أبوه، أي صاحب حرب هو! أشار علينا بالرأي ولكن لم نقبل.»
ولقد امتلأ ابن الأشعث غرورا بعد هزيمة الحجاج، وظهرت مطامعه الجريئة واضحة في قوله وهو يخطب أصحابه: «أما الحجاج فليس بشيء، ولكنا نريد غزو عبد الملك.» (3-3) وقعة الزاوية
قال أبو الزبير الهمداني: كان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة، واقتتلوا في المحرم من سنة 82، فتزاحفوا ذات يوم، فاشتد قتالهم، ثم إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوا إلى الحجاج وحتى قاتلوهم على خنادقهم وانهزمت عامة قريش وثقيف.
ثم إنهم تزاحفوا في المحرم في آخره - في اليوم الذي هزم فيه أهل العراق أهل الشام - فنكصت ميمنتهم وميسرتهم واضطربت رماحهم وتقوض صفهم حتى دنوا منا. (3-4) ساعة حرجة
قال الهمداني: فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركبتيه وانتضى نحوا من شبر من سيفه وقال: «لله در مصعب ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل !»
فعلمت أنه والله لا يريد أن يفر، فغمزت أبي بعيني ليأذن لي فيه فأضربه بسيفي فغمزني غمزة شديدة فسكنت. (3-5) انتصار الحجاج
قال: وحانت مني التفاتة فإذا سفيان بن الأبرد قد حمل عليهم فهزمهم من قبل الميمنة فقلت: «أبشر أيها الأمير فإن الله قد هزم العدو.»
فقال لي: «قم فانظر». فقمت فنظرت، فقلت: «قد هزمهم الله.»
قال: «قم يا زياد فانظر.» فنظر، فقال: «الحق - أصلحك الله - يقينا قد هزموا.» قال: فخر الحجاج ساجدا.
فلما رجعت شتمني أبي وقال: «أردت أن تهلكني وأهل بيتي؟!»
وهكذا كسب الحجاج المعركة بعد أن تحقق خسرانها، وأدرك الفوز - وهو على حافة الهلاك - وحاطته العناية والتوفيق في ساعة تشيب فيها النواصي وتنخلع القلوب. (3-6) وقعة دير الجماجم
ونزل دير الجماجم، واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور وغيرهم بدير الجماجم على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له.
كان موقف الحجاج حرجا جدا في هذه الموقعة، فقد علم أن عبد الملك يهم بخلعه وتولية غيره حتى تستتب الأمور، وقد كاد يتم خلعه، ورأى الحجاج أن خسران هذه الوقعة البوار أهون منه، ففرق الأعطيات واستحث الجند وتخير للموقعة الحاسمة يوم الأربعاء.
قالوا: «وهو يوم يتطير به أهل العراق؛ فلا يتناكحون ولا يسافرون فيه ولا يدخلون من سفر ولا يبايعون فيه بشيء.»
وقد حمي وطيس الحرب واشتد القتال وكسرت ميسرة جيش الحجاج.
قالوا: «فحمل سفيان على جيش ابن الأشعث وهم بالميسرة مشغولون قد طمعوا فيها فهزمهم وكانت الغلبة له.»
ساعة النصر
ولما انهزم ابن الأشعث دعا الحجاج بدابته فركبها - بعد سجود ودعاء وشكر - وكبر الحجاج وكبر أصحابه معه تكبيرا عاليا.
قالوا: ثم انتهوا إلى ربوة فأومأ إليها ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم، وحسر بيضته عن رأسه، فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده وهو يتمثل بهذه الأبيات: