ولقد أراد الحجاج أن يستعين بأسرة ابن الأشعث حين ولي العراق ليكونوا له قوة يعتز بها على أعدائه، فلم يكد يقدم العراق أميرا حتى زوج ابنه محمد من ميمونة بنت محمد الأشعث ليستميل بذلك أهلها وقومها إليه، وقد أفلح في ذلك، وإن أخفق في استمالة أخيها عبد الرحمن بن محمد الأشعث. قالوا: وكان له أبهة في نفسه وكان جميلا بهيا منطيقا - مع ما كان له من التقدم والشرف - فازدهاه ذلك كبرا وفخرا وتطاولا. وقد قربه الحجاج، وألحقه بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره - كما يقولون - وأجرى عليه العطايا الواسعة؛ صلة لصهره وحبا لإتمام الصنيعة إليه وإلى جميع أهله، فأقام عبد الرحمن كذلك حينا مع الحجاج لا يزيده الحجاج إلا إكراما ولا يظهر له إلا قبولا، وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها، لتشمخه زاهيا بأنفة حتى إنه كان ليقول إذا ما رآه مقبلا: «أما والله يا عبد الرحمن، إنك لتقبل علي بوجه فاجر وتدبر عني بقفاء غادر، وأيم الله لنبتلين حقيقة أمرك على ذلك.»
قالوا: فمكث بهذا القول منه دهرا حتى إذا عيل صبر الحجاج من صلف عبد الرحمن أراد أن يبتلي حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور، وأن يبدي منه ما يكتم من غائلته، فكتب إليه عهده على سجستان.
وإنما أراد الحجاج بذلك أن يمهد له سبيل الثورة حتى يحسم أمره، وقد أدركت أسرة ابن الأشعث ما يريده الحجاج، وذعرت من ذلك أشد الذعر، فتوسلوا إلى الحجاج أن يرجع عن عزمه فلم يقبل، فقالوا له: «أصلح الله الأمير، إنا أعلم بك منك فإنك به غير عالم ولقد أدبته بكل أدب، فأبى أن ينتهي عن عجبه بنفسه، ونحن نتخوف أن يفتق فتقا أو يحدث حدثا يصيبنا فيه منك ما يسوءنا.»
فقال لهم الحجاج: «القول كما قلتم والرأي كالذي رأيتم، ولقد استعملته - على بصيرة - فإن يستقم فلنفسه نظر.»
وقد صدق رأي الحجاج فيه، فقد توجه ابن الأشعث وهو مصر على الغدر.
رسالة الخلع
ولم يكد يمر عليه عام حتى بعث إلى الحجاج برسالة يخلع بها طاعته ويقول فيها:
1
سلام على أهل طاعة الله وأوليائه الذين يحكمون بعدله ويوفون بعهده ويجاهدون في سبيله ويتورعون لذكره ولا يسفكون دما حراما، ولا يعطلون للرب أحكاما ...
إلى أن يقول:
إن الله أنهضني لمصاولتك وبعثني لمناضلتك حين تحيرت أمورك وتهتك ستورك فأصبحت عريان حيران مهينا لا توافق وفقا ولا ترافق رفقا ولا تلازم صدقا، أؤمل من الله الذي ألهمني ذلك أن يصيرك في حبالك وأن يجيء بك في القرن ويسحبك للذقن، وينصف منك من لم تنصفه من نفسك ويكون هلاكك بيد من اتهمته وعاديته، فلعمري لقد طال ما تطاولت وتمكنت ... إلخ.
وهكذا بدأت الحرب بين ابن الأشعث والحجاج.
ولقد حاول «سعيد بن جبير» أن يرد ابن الأشعث وأصحابه عن عزيمته الجريئة فلم يستطع، فقال لهم: «إن الخلع فيه الفتنة والفتنة فيها سفك الدماء واستباحة الحرم وذهاب الدين والدنيا.»
فقالوا له: «إنه الحجاج وقد فعل ما فعل!»
قالوا: «وما زالوا يذكرون له من مساوئ الحجاج حتى صار معهم وهو كاره.» •••
قالوا وبعث الحجاج «الغضبان الشيباني» ليأتيه بخبر «ابن الأشعث» فتوجه الغضبان إليه وأفضى إليه بسره، وقال له: تغد الحجاج قبل أن يتعشاك.
2
وقد عرف الحجاج ما قاله الغضبان فسجنه
3
مدة طويلة ثم أطلق سراحه فيما بعد. (3) بين الحجاج وابن الأشعث
وكان الحجاج وليس بالعراق رجل أبغض إليه من عبد الرحمن بن الأشعث، وكان يقول: ما رأيته قط إلا أردت قتله.
4
المؤرخون
أعد الحجاج جيوشه لمحاربة ابن الأشعث، فجعل ابن الأشعث لا يلقى خيلا إلا هزمها، قالوا: وعلم المهلب بشقاق عبد الرحمن فكتب إليه: (3-1) كتاب المهلب إلى عبد الرحمن
أما بعد، فإنك وضعت رجلك يا ابن محمد في غرر طويل الغي على أمة محمد
صلى الله عليه وسلم
الله الله فانظر لنفسك فلا تهلكها، ودماء المسلمين فلا تسفكها، والجماعة فلا تغرقها، والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه عليها من الناس، فلا تعرضها لله في سفك دم ولا استحلال محرم والسلام. (3-2) كتاب المهلب إلى الحجاج