5
كيف ترجون سقوطي بعدما
جلل الرأس بياض وصلع
ساء ما ظنوا وقد أريتهم
عند غايات المدى كيف أقع
رب من أنضجت غيظا قلبه
قد تمنى لي موتا لم يطع
ويراني كالشجا في حلقه
عسرا مخرجه ما ينتزع
مزيد يهدر ما لم يرني
فإذا أسمعته صوتي انقمع
ويحييني - إذا لاقيته -
وإذا يخلو له لحمي رتع
ورث البغضاء عن والده
حافظا منه الذي كان استمع
ولساني صيرفي صارم
كذباب السيف ما مس قطع
هلاك ابن الأشعث
وما زال ابن الأشعث يمعن في فراره وجيوش الحجاج تتبعه، حتى لحق بخراسان ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج والحذر لنفسه، ولم يشعر بالخيل التي في طلبه حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع حتى استغاث بقصر منيف.
فحصره ابن عم الحجاج وأحاطت به الخيل من كل جانب حتى ضيق عليه. ودعا بالنار ليحرقه في القصر، فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ، وخاف النار، رمى بنفسه من القصر وطمع في أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار الناس، فيخفى أمره ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه.
فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه - وقد أفاق بعض الإفاقة - ولا يقدر على النهوض، فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته وانطلق برأسه إلى الحجاج.
وهكذا انتهت حياة هذا الجبار، وانقضت مطامعه الجريئة، التي لم تقف عند حد الانتصار على الحجاج بعد تعدته إلى دك الرغبة في عرش الخلافة الأموية وعزل عبد الملك بن مروان، ولكن:
تقفون والفلك المسخر دائب
وتقدرون فتضحك الأقدار
| هوامش
| مصرع سعيد بن جبير
بعثني الحجاج في حاجة فجيء بسعيد بن جبير
1
فرجعت، فقلت لأنظرن ما يصنع، فقمت على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: يا سعيد ألم أشركك في أمانتي؟ ألم أستعملك؟ ألم أفعل حتى ظننت أنه يخلي سبيله.
قال: بلى قال: فما حملك على خروجك علي؟
قال: عزم علي.
فطار غضبا وقال: هل رأيت لعزمة عدو الرحمن عليك حقا، ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لي عليك حقا؛ اضربوا عنقه. فضربت عنقه.
الفضل بن سويد
سبب قتله
قلنا - في الكلام على مصرع عبد الرحمن بن الأشعث - إن سعيد بن جبير ناصره وخلع معه طاعة الحجاج، بعد أن فشل في إقناع ابن الأشعث بالرجوع عن عزمه، وكأنما كان ابن ربيعة يعنيه بقوله:
وخل كنت عين النصح منه
اذا نظرت ومستمعا سميعا
أطاف بغية فنهيت عنها
وقلت له: أرى أمرا شنيعا
أردت رشاده جهدي فلما
أبى وعصى أتيناها جميعا
فلما هزم ابن الأشعث هرب معه سعيد وظل مختفيا والحجاج يطلبه إلى سنة 94 وأخيرا مل سعيد الاختفاء، بعد أن ضيق عليه الحجاج الحصار.
قال له أحد خلصائه: «إن فلانا قد أمر على مكة، وهو رجل سوء لا يؤمن، وأنا أتقيه عليك فاظعن وأشخص.»
فقال له ابن جبير: «قد والله فررت حتى استحييت من الله، سيجيئني ما كتب الله لي.»
وهكذا استسلم ابن جبير لقضاء الله حتى قبض عليه عامل الحجاج وبعث به إليه.
في الطريق إلى المصرع
قالوا: ولما أقبل الحرسيان بسعيد بن جبير، نزل منزلا قريبا من «الربذة» فانطلق أحد الحرسيين في حاجته، وبقي الآخر.
فاستيقظ الذي عنده - وقد رأى رؤيا - فقال له: «يا سعيد أبرأ إلى الله من دمك، إني رأيت في منامي، فقيل: «ويلك، تبرأ من دم سعيد بن جبير!» اذهب حيث شئت، لا أطلبك أبدا.»
فقال له سعيد: «أرجو العافية وأرجو.»
وأبى حتي جاء ذاك. فنزلا من الغد، فأري مثلها فقيل: «ابرأ من دم سعيد.»
فقال: «يا سعيد، اذهب حيث شئت، إني أبرأ إلى الله من دمك.» فلم يقبل سعيد وأصر على الذهاب معهما إلى الحجاج.
قال شاهد عيان: لما رأى الحجاج سعيد بن جبير أقبل عليه وقال له: «يا سعيد، ما أخرجك علي؟»
فقال: «أصلح الله الأمير، إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب مرة.»
فطابت نفس الحجاج وتطلق وجهه ورجا أن يتخلص من أمره.