تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

أحمل رأسا قد مللت حمله

وقد مللت دهنه وغسله

ألا فتى يحمل عني ثقله

وكان يكفي زعيم الخوارج أو المتطلع للزعامة أن يثير مشكلة دينية لفظية فارغة؛ لينتقم من زعيم آخر، فينزله من زعامته ويسقط مكانته الدينية ليحل مكانه ويتولى الزعامة بعده، ولولا هذه الخلافات ما علم إلا الله وحده كيف كانت تكون عاقبة أمرهم. •••

وما نحسب أن ثورة زعماء الخوارج على علي بن أبي طالب إلا تطلعا للملك وتمحلا لأسباب الكيد من قريش حسدا وغيرة لما نالته قريش من السلطان والرفعة، فقد طالما حاول الخوارج أن يجدوا فرصة يتحينونها لإشباع رغباتهم ومطامعهم حتى أتيحت لهم فرصة التحكيم فانتهزوها للانشقاق والفتنة. •••

ولولا ما سلكه المهلب بن أبي صفرة من ضروب الشجاعة والحزم مع ما وهبه من خبرة بالحرب وبعد نظر، لاستفحل أمر الخوارج استفحالا ما كان أجدره أن يغير وجه التاريخ.

وفي يقيننا أن المهلب لو كان خارجيا كشبيب، أو لو كان شبيب من أنصار بني أمية كالمهلب، لكان لحوادث التاريخ مجرى يخالف كل المخالفة ما وقع، وليس في قدرتنا في هذه الكلمات الموجزة أن نوضح ما امتاز به المهلب من المزايا الباهرة وما أبلاه في حروب الخوارج من البلاء الحسن؛ فإن هذا يخرج بنا عن موضوع الكتاب، وما أجدر المهلب بسفر مطول يتناول فيه المؤرخ شخصيته العظيمة وتاريخه المجيد، وحسبنا أن نختم هذا الفصل بوصف أحد الشعراء المجيدين المهلب بعد انتصاره على الخوارج في قصيدة طويلة نجتزئ منها بقوله:

أمسى العباد بشر لا غياث لهم

إلا المهلب - بعد الله - والمطر

كلاهما طيب ترجى نوافله

مبارك سيبه يرجى وينتظر

هذا يذود ويحمي عن ذمارهم

وذا يعيش به الأنعام والشجر

واستسلم الناس إذ حل العدو بهم

فلا ربيعتهم ترجى ولا مضر

وأنت رأس لأهل الدين منتخب

والرأس فيه يكون السمع والبصر

إن المهلب في الأيام فضله

على منازل أقوام إذا ذكروا

حزم وجود وأيام له سلفت

فيها يعد جسيم الأمر والخطر

ماض على الهول ما ينفك مرتحلا

أسباب معضلة يعيا بها البشر

شهاب حرب إذا حلت بساحته

يخزي به الله أقواما إذا عذروا

تزيده الحرب والأهوال إن حضرت

حزما وعزما ويجلو وجهه السفر

ما إن يزال على أرجاء مظلمة

لولا يكفكفها عن مصرهم دحروا

سهل إليهم حليم عن مجاهلهم

كأنما بينهم عثمان أو عمر

كهف يلوذون من ذل الحياة به

إذا تكنفهم من هولها ضرر

أمن لخائفهم فيض لسائلهم

ينتاب نائله البادون الحضر

| هوامش

| مصرع عبد الرحمن بن الأشعث

(1) كيف صرع

وما زال في سيره هاربا حتى لحق بخراسان، ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج والحذر لنفسه، ولم يشعر بالخيل التي في طلبه حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع حتى استغاث بقصر منيف، فحصره ابن عم الحجاج فيه، وأحاطت به الخيل من كل جانب حتى ضيق عليه، ودعا بالنار ليحرقه في القصر، فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ وخاف النار رمى بنفسه من أعلى القصر، وطمع أن يسلم ولا يشعر به، فيدخل في غمار الناس فيخفى أمره ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه، فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه - وقد أفاق بعض الإفاقة ولا يقدر على النهوض - فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته وانطلق برأسه إلى الحجاج. (2) مقدمات المصرع

وهكذا انتهت حياة هذا الجبار المزهو الذي لم تقف أطماعه عند حد، والذي كان يأبى إلا ازدراء الحجاج والتكبر عليه، ولقد حاول الحجاج أن يترضاه بكل وسيلة، واحتال على استمالته إليه بألف حيلة فلم يفلح، فلم ير الحجاج أمامه إلا أن يمهد له الأسباب ليتعرف حقيقه نواياه بصراحة، ويغريه بالثورة عليه فيشتبك معه في موقعة حاسمة، أو يظل بعيدا عنه حتى يستريح من رؤيته ولا يضايق نفسه بما يبديه له من صلف.

مصارع الأعيان · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٢٧