ذهب شبيب إلى الأهواز ثم إلى فارس ثم ارتفع إلى كرمان، وكان الحجاج قد أمر سفيان بن الأبرد أن يسير إليه فلحقه بالأهواز بجسر دجيل، وانضم إليه زياد بن عمر العتكي في أربعة آلاف.
ثم نشبت المعركة عنيفة وأظهر فيها شبيب من ضروب البسالة والإقدام والافتنان في الحرب ما بهر أعداءه وحير ألبابهم. قال السكسكي: «فلما رأى سفيان أنه لا يقدر عليهم ولا يأمن - مع ذلك - ظفرهم، دعا الرماة فقال: «ارشقوهم بالنبل.» وذلك عند المساء - وكان التقاؤهم نصف النهار - فرماهم حينئذ أصحاب النبل بالنبل. فلما رشقوهم بالنبل ساعة شدوا عليهم. فلما شدوا على رماتنا شددنا عليهم فشغلناهم عنهم. فكر شبيب وأصحابه على أصحاب النبل كرة صرع منهم أكثر من ثلاثين رجلا. ثم عطف بخيله علينا فطاعناه حتى أتى المساء ثم انصرف عنا. فقال سفيان لأصحابه: «أيها الناس دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم غدوة.» فكففنا عنهم وليس شيء أحب إلينا من أن ينصرفوا عنا.»
فانظر إلى عبارة السكسكي الأخيرة التي تعبر عن شعور الجيش كله وبغضه قتال شبيب وأصحابه! •••
ولما انتهت المعركة أمر «شبيب» أصحابه أن يعبروا جسر «دجيل» حتى إذا أصبحوا باكروا أعداءهم، فعبروا أمامه وتخلف في آخرهم. (2-16) كيف صرع شبيب
قالوا: فأقبل شبيب على فرسه، وكانت بين يديه فرس أنثى فنزا عليها فرسه وهو على الجسر فاضطربت أمامه ونزل حافر فرسه على حرف السفينة فسقط في الماء وسقط معه شبيب - وهو مثقل بالحديد من درع ومغفر وغيرهما - فقال:
ليقضي الله أمرا كان مفعولا .
وارتمس في الماء ثم ارتفع، فقال له بعض أصحابه وهو يغرق: «أغرقا يا أمير المؤمنين؟»
فقال:
ذلك تقدير العزيز العليم . •••
ثم غرق شبيب وتنادى أصحابه: «غرق أمير المؤمنين.» وانصرفوا راجعين وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد.
قالوا: «فكبر سفيان وأصحابه، ولما أصبح الصبح طلبوا شبيبا حتى استخرجوه.» (2-17) أمثلة من شجاعة شبيب
قال شبيب: قتلت أمس «من الأعداء» رجلين، أحدهما أجبن الناس والآخر أشجع الناس.
خرجت - عشية أمس - طليعة لكم، فلقيت ثلاثة نفر دخلوا قرية يشترون منها حوائجكم. فاشترى أحدهما حاجته ثم خرج قبل أصحابه - وخرجت معه - فقال: «كأنك لم تشتر علفا؟»
فقلت: «إن لي رفقاء قد كفوني ذلك.»
ثم قلت له: «أين ترى عدونا هذا نزل؟»
قال: «بلغني أنه نزل منا قريبا، وايم الله لوددت أني قد لقيت شبيبهم هذا.»
قلت: «فتحب ذلك؟»
قال: «نعم.»
قلت: «فخذ حذرك، فأنا والله شبيب.»
وانتضيت سيفي، فخر - والله - ميتا. فقلت له: «ارتفع ويحك!»
وذهبت أنظر، فإذا هو قد مات، فانصرفت راجعا. •••
ولقيت الآخر خارجا من القرية فقال: «أين تذهب هذه الساعة، وإنما يرجع الناس إلى عسكرهم؟»
فلم أكلمه، ومضيت يقرب بي فرسي، واتبعني حتى لحقني ، فقطعت عليه، فقلت له: «ما لك؟»
فقال: «أنت والله من عدونا!»
فقلت: «أجل والله!»
فقال: «والله لا تبرح حتى تقتلني أو أقتلك!»
فحملت عليه وحمل علي، فاضطربنا يسيفنا ساعة فوالله ما فضلته - في شدة نفس ولا إقدام - إلا أن سيفي كان أقطع من سيفه فقتلته. ا.ه. •••
وما نحسب القارئ في حاجة إلى أن نسهب في التعليق على هذا الخبر، فهو وحده غني عن كل تعليق.
فقد كان اسم شبيب وحده كافيا للقضاء على فارس محارب، وما نظن الفارس الآخر الذي وصفه شبيب بالشجاعة كان يستطيع أن يثبت أمامه لو علم أنه يواجه شبيبا الذي كان يكفي اسمه في ترويع الجيوش الجرارة وهزيمتهم - بالغا ما بلغ عددهم - وقد بغت الفارس الأول حين علم أن مخاطبه هو شبيب الذي هزم الجيوش وقتل أفذاذ القواد وأذكى الرعب في كل نفس، وأقلق بال الحجاج وذعره وأقض عليه مضجعه، والحجاج - هو من يعرف القارئ - جبار العراق ومدوخ جبابرته وثائريه.
وما نحسب الحجاج كان قادرا على هزيمة شبيب لو لم يستعن بجند الشام الذي لم تروعه فتكات شبيب وشداته العنيفة التي روعت جيوش الكوفة وخلعت قلوبهم، فأصبحوا يلقونه كارهين وكأنهم يلقون الموت أمامهم، وصاروا لا يثبتون أمامه إلا ريثما يلوذون بأكناف الفرار.