تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كان الحجاج يخرج لمحاربة شبيب إلا محرجا مضطرا. وقد رأى الحجاج مجده يترجح في كفة الأقدار، وأحس أن هزيمته أمام شبيب معناها اندحاره وضياع هيبته؛ فألهب قلوب الجند حماسة ولم يدخر وسيلة من وسائل التشجيع واستثارة الحمية والنخوة إلا سلكها، وقد أعانه خالد بن عتاب الذي قتل شبيب أباه «عتاب بن ورقاء» البطل الكمي المنقطع النظير، فقد قتل خالد أخا شبيب وزوجه أثناء اشتغال شبيب بمحاربة الحجاج وجيشه، ففت ذلك في عضد شبيب، وكان من أسباب هزيمته.

على أن الحجاج لم يستطع أن يظهر مكانه أمام شبيب، فتوارى عن عينه وأجلس مكانه فارسا آخر، لم يفت شبيبا أن يضربه بعمود من الحديد فيقتله، ظانا أنه إنما يقتل الحجاج.

فلما انهزم جيش شبيب لم يعبأ شبيب بشيء، بل خرج شبيب وتبعه خيل الحجاج وهو لا يكترث بهم.

قال أحد أصحابه: فجعل شبيب يخفق برأسه، فقلت له: «يا أمير المؤمنين، التفت فانظر من خلفك!» فالتفت شبيب غير مكترث، ثم أكب يخفق برأسه، ودنوا منا، فقلنا: «يا أمير المؤمنين قد دنوا منك.»

فالتفت - والله - غير مكترث ثم جعل يخفق برأسه.

وقد هابه جند الأعداء فلم يجرأ على قتله أحد منهم - والفرصة سانحة تناديهم - وهم يتهيبون الدنو منه، فلما أفلتت منهم الفرصة راحوا يتعقبونه بعد فوات الوقت. •••

وانظر إلى ابن الأشعث يسأله شبيب أن يوادعه في أيام العيد «فلا يكون شيء أحب إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة» كما يقولون.

ويشتبك شبيب - ومعه ثلاثون شخصا - مع جيش كبير جدا فيصمد صمود الأبطال حتى يضطر قائد الجيش إلى أن يقول: «لو كان هؤلاء الخوارج يزيدون على مائة رجل لأهلكونا.» •••

وقد رأى القارئ كيف كان اسم شبيب وحده كافيا في ذعر الجيش الكثير العدد، وكيف كان عتاب بن ورقاء يحمس جيشه ويستنفرهم لمهاجمة شبيب، ويبذل جهده في إلهاب قلوبهم، فلا يصل إلى ذلك، ولا يرى أمامه إلا خورا أو هلعا من لقاء شبيب.

ينادي: أين القصاص، فلا يجيبه أحد، وينادي: أين من يروي شعر عنترة؟ «فلا والله ما يرد عليه إنسان كلمة.» فيعلم عتاب أنهم خاذلوه ويفت ذلك في عضده وهو البطل الكمي العظيم الخطر. •••

ومن الأمثلة الدالة على حزم شبيب تظاهره بالزهد في المال؛ خوفا على الجند أن يفتتنوا به فيعوقهم ذلك عن الاستماتة في الجهاد.

قالوا: إن شبيب حين وجه من يأتيه برأس عامل «سورا» جاءوا برأسه فقال لهم شبيب: «ماذا أتيتمونا به؟»

فقالوا: «جئناك برأس الفاسق وما وجدنا من مال.» والمال على دابة في بدوره، فقال شبيب: «أتيتمونا بفتنة المسلمين! هلم الحربة يا غلام فخرق بها البدر.»

قالوا: وأمر فنخس بالدابة والمال يتناثر من بدوره حتى وردت «الصراة».

فقال: «إن كان بقي شيء فاقذفه في الماء.»

لقد خشي شبيب أن يشتغل أصحابه بالمال فيفتنوا به وينسوا واجبهم الأول الذي يستميتون في سبيل تحقيقه.

وقد أذاع العامة كثيرا من المزاعم التي لا تخفى دلالتها على تهيبهم له وإكبارهم لشجاعته الخارقة إكبارا جعلهم يفتتنون في نسبه المعجزات إليه. والعامة لا يكادون يتمثلون المزايا المعنوية إلا في قالب مادي ملموس. لذلك راحوا يروجون أن شبيبا حين أخرج من الماء وشق بطنه وأخرج قلبه وجدوه مجتمعا صلبا كأنه صخرة، وأنه كان يضرب به الأرض فيثب قامة إنسان؛ لأن العامة لم يستطيعوا أن يتصوروا مثل هذه الشجاعة الخارقة التي امتاز بها شبيب في قلب كقلب الأناسي.

ولو أن شبيبا لم يمت غرقا ولو أنه كان من أنصار الخليفة لكان للتاريخ شأن آخر - في كلتا الحالتين - وإن كان في إحداهما يناقض الأخرى مناقضة تامة. •••

ولقد نعي شبيب لأمه فلم تصدق، وكانوا يقولون لها «قتل شبيب» فلا تقبل.

فلما قيل لها: إنه غرق صدقت كلامهم وقالت: «أما الآن فقد صدقت ما تقولون.»

مصارع الأعيان · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٢٤