تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأن شبيبا لم يكتف بما أحرزه من انتصارات باهرة فتطلعت نفسه إلى الفوز الأكبر والاستيلاء على الكوفة نفسها، فسار شبيب حتى قطع الجسر وعسكر دونه إلى الكوفة. (2-13) الحجاج يشاور أصحابه

قال شاهد عيان: لما فض شبيب كتائب الحجاج أذن لنا فدخلنا عليه في مجلسه الذي يبيت فيه - وهو على سرير وعليه لحاف - فقال: «إني دعوتكم لأمر فيه أمان ونظر، فأشيروا علي، إن هذا الرجل قد تبحبح بحبوحتكم ودخل حريمكم وقتل مقاتلكم فأشيروا علي.»

فأطرقوا، وفصل رجل من الصف بكرسيه فقال: «إن أذن لي الأمير تكلمت.»

فقال: «تكلم.»

فقال: «إن الأمير - والله - ما راقب الله قط، ولا حفظ أمير المؤمنين، ولا نصح للرعية.»

ثم جلس بكرسيه في الصف - وإذا هو قتيبة - فغضب الحجاج وألقى اللحاف ودلى قدميه من السرير - كأني أنظر إليهما - فقال: «من المتكلم؟»

فخرج قتيبة بكرسيه من الصف فأعاد الكلام، قال الحجاج: «فكيف ذلك؟»

فقال: «تبعث الرجل الشريف، وتبعث معه رعاعا من الناس فينهزمون عنه، ويستحيي فيقاتل حتى يقتل.»

قال: «فما الرأي؟»

قال: «أن تخرج بنفسك ويخرج معك نظراؤك فيواسونك بأنفسهم.»

قال بعضهم: «فلعنه الحجاج» وقال آخر: «وخنقه الحجاج بعمامته خنقا شديدا» ثم قال الحجاج: «والله لأبرزن له غدا.»

وهكذا أحرج الحجاج في قتال شبيب إحراجا. (2-14) بين شبيب والحجاج

فلما جاء اليوم التالي فرق الحجاج كثيرا من رجال جيشه على أفواه السكك، ثم أقبل الحجاج - وقد رأى أمامه جيش شبيب - وكان شبيب في ستمائة فارس.

ودعا الحجاج بكرسي له فقعد عليه، ثم نادى: «يا أهل الشام، أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين، لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم، غضوا الأبصار واجثوا على الركب واستقبلوا القوم بأطراف الأسنة.»

فجثوا على الركب وأشرعوا الرماح وكأنهم حرة سوداء. وأقبل شبيب حتى إذا دنا منهم عبأ أصحابه ثلاثة كراديس: (1)

كتيبة مع سويد بن سليم. (2)

وكتيبة مع المحلل بن وائل. (3)

وكتيبة مع شبيب.

فشل الكتيبة الأولى

فأمر شبيب الكتيبة الأولى أن تحمل عليهم، فحمل عليهم سويد فثبتوا له، حتى إذا غشي أطراف الأسنة وثبوا في وجهه ووجوه أصحابه، فطعنوهم قدما حتى انصرف.

وصاح الحجاج: «يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا. قدم كرسي يا غلام.»

فشل الكتيبة الثانية

وأمر شبيب قائد الكتيبة الثانية «المحلل بن وائل» أن يحمل، فكان نصيبه من الفشل مثل ما مني به سلفه.

فشل الكتيبة الثالثة

فلما رأى شبيب فشل سابقيه حمل على أعدائه في كتيبته فثبتوا له حتى إذا غشي أطراف الرماح وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلا، ثم إن أهل الشام طعنوه قدما حتى ألحقوه بأصحابه.

الهزيمة الشاملة

فلما رأى شبيب هذا الفشل قال لأصحابه: «إنما شرينا الله، ومن شرى الله لم يكن يكبر عليه ما أصابه من الأذى والألم في جنب الله. الصبر الصبر، شدة كشداتكم في مواطنكم الكريمة.»

ثم جمع أصحابه فلما ظن الحجاج أنه حامل عليهم قال لأصحابه: «يا أهل السمع والطاعة، اصبروا لهذه الشدة الواحدة، ثم ورب السماء ما شيء دون الفتح.» فجثوا على الركب، وحمل شبيب - بجميع أصحابه - فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه، فما زالوا يطعنون ويضربون وهم مستميتون في القتال.

قالوا: وخرج «خالد بن عتاب بن ورقاء» الذي وتره شبيب، فسار في عصابة من أهل الكوفة حتى دخل عسكرهم من ورائهم فقتل «مصادا» أخا شبيب وقتلت غزالة امرأته وحرق خالد في عسكر شبيب.

فكبر الحجاج وأصحابه تكبيرة واحدة، وفت في أعضاد شبيب وأصحابه وقال الحجاج لأهل الشام: «شدوا عليهم فإنهم قد أتاهم ما أرعب قلوبهم.» فشدوا عليهم فهزموهم.

قالوا: ثم إن الحجاج دخل الكوفة حين انهزم شبيب ثم صعد المنبر فقال: «والله ما قوتل شبيب قط قبلها مثلها! ولي - الله - هاربا وترك امرأته يكسر في استها القصب!» (2-15) المعركة الأخيرة

مصارع الأعيان · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٢٢