تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن أخرجني في الناس مع الأمير، فإني إنما أثبت على الراحلة، فأكون مع الأمير في عسكره وأشير عليه برأيي.»

فقال له الحجاج: «جزاك الله عن الإسلام وأهله - في أول الإسلام - خيرا، وجزاك الله عن الإسلام وأهله - في آخر الإسلام - خيرا، فقد نصحت وصدقت، أنا مخرج الناس كافة.» ثم دعا الحجاج - بعد أن اختار عتاب بن ورقاء أشراف الكوفة وفيهم زهرة بن حوية - فقال لهم: «من ترون أبعث على هذا الجيش؟»

فقالوا: «رأيك أيها الأمير أفضل.»

قال: «فإني قد بعثت إلى عتاب بن ورقاء، وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة، فيكون هو الذي يسير في الناس.»

قال زهرة بن حوية: «أصلح الله الأمير، رميتهم بحجرهم، لا والله لا يرجع إليك حتى يظفر أو يقتل!» (2-9) قبيل المعركة

ولما التقى شبيب بعتاب، وتأهب جيشاهما للحرب، أخذ عتاب يحمس جنوده وينظم صفوفهم، وقد ذكر بعض جنوده شيئا مما فاه به عتاب قبيل المعركة فقال: وقف علينا عتاب فقص علينا قصصا كثيرا، كان مما حفظت منه ثلاث كلمات قال: «يا أهل الإسلام، إن أعظم الناس نصيبا في الجنة الشهداء، وليس لأحد من خلقه أحمد منه للصابرين، ألا ترون أنه يقول:

واصبروا إن الله مع الصابرين .

فمن حمد الله فعله فما أعظم درجته، وليس الله لأحد أمقت منه لأهل البغي.

ألا ترون أن عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه، لا يرون إلا أن ذلك قربة عند الله، فهم شرار أهل الأرض وكلاب أهل النار!»

ثم قال: «أين القصاص؟»

قال ذلك فلم يجبه - والله - منا أحد.

فلما رأى ذلك قال: «أين من يروي شعر عنترة؟»

فلا والله ما رد عليه إنسان كلمة. •••

وهكذا عقد الخوف ألسنتهم وقلوبهم فلم يجيبوا قائدهم بشيء، وثمة أدرك عتاب أنهم لا بد خاذلوه، ولكن ماذا يصنع وليس أمامه إلا أن يستميت في قتاله حتى ينتصر أو يقتل؟ وقد كانت الثانية. (2-10) مصرع عتاب

هذا يوم كثر فيه العدد وقل الغناء! وا لهفي على خمسمائة فارس - من نحور رجال تميم معي - من جميع الناس!

عتاب

وقد بدأت المعركة شديدة حامية الوطيس

5

وحمل عليهم شبيب وهو يقول: «أنا أبو المدله، لا حكم إلا للحكم، اثبتوا إن شئتم.»

فأدخل الرعب في قلوب الكثيرين واستبسل جماعة من أصحاب عتاب حتى قيل لهم: «مات عتاب» فتفرقوا.

قالوا: ولم يزل عتاب جالسا على طنفسة في القلب - وزهرة بن حوية معه - إذ غشيهم شبيب، فقال له عتاب: «هذا يوم كثر فيه العدد، وقل فيه الغناء! وا لهفي على خمسمائة فارس - من نحو رجال تميم - معي من جميع الناس!»

وقد ظل عتاب ينادي جنوده: «ألا صابر لعدوه؟ ألا مؤاس بنفسه؟» ولكن:

لقد أسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

فقد انفض من حوله الجند وتركوه وهو يقاتل قتال الأبطال. وماذا تجدي الشجاعة بعد أن خذله ناصروه؟ على أن زهرة بن حوية كان له خير رفيق وكان إلى جانبه مثلا من أمثلة البسالة العجيبة والاستهانة بالموت، فقال له زهرة: «أحسنت يا عتاب فعلت فعل مثلك، والله والله لو منحتهم كتفك ما كان بقاؤك إلا قليلا، أبشر فإني أرجو أن يكون الله قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا.»

فقال له عتاب: «جزاك الله خير ما جزى امرأ لمعروف.»

وقال له أحد أصحابه: «إن عبد الرحمن بن محمد قد هرب عنك فانصفق معه أناس كثير.»

فقال عتاب: «قد هرب قبل اليوم وما رأيت ذلك الفتى يبالي ما صنع!»

كيف صرع عتاب

وقد قاتلهم عتاب ساعة وهو يقول: «ما رأيت كاليوم قط موطنا - لم أبتل بمثله قط - أقل مقاتلا ولا أكثر هاربا خاذلا!»

وما زال يقاتل حتى علم شبيب مكانه، فحمل عليه فطعنه فوقع. (2-11) مصرع زهرة بن حوية

أما زهرة بن حوية فقد وطئته الخيل، فأخذ يذب بسيفه - وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يقوم - فجاءه الفضل بن عامر الشيباني فقتله

6

وهكذا تمت هزيمة الجيش، وانتصر شبيب وأصحابه أبهر انتصار. (2-12) خروج شبيب إلى الكوفة

مصارع الأعيان · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٢١