تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا: «ولما رأى أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة ولا يصل إليه جعل يخرج حتى إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله فينزل عن مسيرة عشرين فرسخا ثم يقيم في أرض غليظة جدبة، فيجيء عبد الرحمن فإذا دنا من شبيب ارتحل.»

وما زال شبيب يعذبهم حتى شق عليهم وأحفى دوابهم ولقوا منه كل بلاء. ولما التقى الجيشان في «جوخا» أرسل شبيب إلى عبد الرحمن: «إن هذه الأيام أيام عيد لنا ولكم، فإن رأيتم أن توادعونا حتى تمضي هذه الأيام فافعلوا.» فرضي بذلك عبد الرحمن.

قالوا: «ولم يكن شيء أحب إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة.»

من عثمان بن قطن إلى الحجاج

أما بعد، فإني أخبر الأمير - أصلحه الله - أن عبد الرحمن بن محمد قد حفر جوخا كلها خندقا واحدا، وخلى شبيبا وكسر خراجها، وهو يأكل أهلها والسلام.

من الحجاج إلى عثمان بن قطن

أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت لي عن عبد الرحمن، وقد لعمري فعل ما ذكرت، فسر إلى الناس فأنت أميرهم، وعاجل المارقة حتى تلقاهم، فإن الله ناصرك عليهم والسلام.

بين عثمان بن قطن وشبيب

وهكذا ظفر عثمان بإمارة الجيش وبعث الحجاج إلى المدائن مكانه «مطرف بن المغيرة» وحسب عثمان أنه أقدر من عبد الرحمن على قتل شبيب وهزيمة جيشه وأظهر من الحماسة مثلما رأيناه من «سعيد بن مجالد» الذي كان سببا في هزيمة جيش «الجزل» وهلاك نفسه. وقد كانت عاقبة عثمان كعاقبة سعيد بن مجالد، وحاق به البوار وحلت الهزيمة بالجيش.

فقد ذهب عثمان متحمسا يريد مناجزة الخوارج - في الحال - وألح عليه الناس أن يتريث قليلا - وكان الجو عاصفا والرياح شديدة تهب على الجيش - فأقام يوما وليلة حتى إذا انتهت العاصفة عبأ جيشه وزحف على شبيب وثبت وجيشه أمامه قليلا. ثم كر عليه شبيب وأصحابه فقتلوه وهزموا أصحابه، وتشتت شمل الجيش بعد أن انهزم عبد الرحمن بن الأشعث - فيمن انهزم - وغنم شبيب من هذه الموقعة أكبر الغنائم، وزاد جيشه وأقبل عليه كثيرون من الناقمين على الحجاج والراغبين في المغانم وقوي شأنه.

ورأى الحجاج أن أمر شبيب قد استفحل وأن توالي انتصاراته يضاعف أعوانه ويفت في عضد محاربيه، فأعد جيشا كبيرا مختارا من صفوة الرجال وأفذاذ القواد وجعل على رأس ذلك الجيش عتاب بن ورقاء. (2-8) عتاب بن ورقاء

يا أهل الكوفة اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم، لا أرخص لأحد من الناس في الإقامة إلا رجلا قد وليناه من أعمالنا. ألا إن للصابر المجاهد الكرامة والأثرة. ألا إن للناكل الهارب الهوان والجفوة، والذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن - كفعلكم في المواطن التي كانت - لأولينكم كنفا خشنا ولأعركنكم بكلكل ثقيل.

من خطبة للحجاج

كان الحجاج قد أمر عتابا بطاعة المهلب، فكبر ذلك على عتاب، ووقع بينه وبين المهلب شر كبير، حتى كتب عتاب إلى الحجاج يستعفيه من ذلك ويضمه إليه، وقد أحضره الحجاج ووجهه لمحاربة شبيب على رأس ذلك الجيش. وقد اختاره الحجاج بعد أن رأى توالي انتصارات شبيب.

قالوا: وقام الحجاج في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم، أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع وأصبر على اللأواء والقيظ منكم، فيقاتلون عدوكم، ويأكلون فيأكم.»

قالوا: فقام إليه الناس من كل جانب فقالوا: «نحن نقاتلهم ونعتب الأمير، فليندبنا الأمير إليهم فإنا حيث سره.»

نصيحة زهرة بن حوية

وقام إليه زهرة بن حوية، قالوا: وهو شيخ كبير لا يستقيم قائما حتى يؤخذ بيده، فقال: «أصلح الله الأمير، إنك إنما تبعث إليهم الناس متقطعين، فاستنفر الناس إليهم كافة، وابعث عليهم رجلا ثبتا شجاعا مجربا للحرب، ممن يرى الفرار هضما وعارا، والصبر مجدا وكرما.»

فقال الحجاج: «فأنت ذاك فاخرج.»

فقال: «أصلح الله الأمير، إنما يصلح للناس - في هذا - رجل يحمل الرمح والدرع ويهز السيف ويثبت على متن الفرس. وأنا لا أطيق من هذا شيئا، وقد ضعف بصري وضعفت.

مصارع الأعيان · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٢٠