فقالوا لشبيب: «قد رغب عنا إليك.» فبرز إليه شبيب وقال له: «إني أنشدك الله في دمك فإن لك جوارا.» فأبى إلا قتاله.
فقال له: «إني قد علمت خداع الحجاج، وإنما اغترك ووقى بك نفسه، وكأني بأصحابك قد أسلموك فصرعت مصرع أصحابك، فأطعني فإني أنفس بك عن الموت.» فأبى محمد بن موسى إلا قتاله.
قالوا: «فحمل عليه شبيب، فضربه بعصا حديد فهشم بها رأسه، فسقط ثم كفنه وابتاع ما غنموه من عسكره فبعث به إلى أهله.» (2-7) بين شبيب وعبد الرحمن بن الأشعث
ولما رأى شبيب أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة، جعل يخرج حتى إذا دنا منه رحل عن مكانه ونزل في أرض غليظة جدبة، فيجيء عبد الرحمن فإذا بلغه ارتحل وهكذا، حتى أحفى دوابهم ولقوا منه كل بلاء.
هي رواية لا تكاد تتغير فصولها، ولا يكاد شبيب يغير تمثيل دوره فيها. تتألب عليه الجيوش بالغة ما بلغت من الكثرة فلا يقف أمامها وقفة حاسمة، ولكنه يتنقل من مكان إلى آخر مترقبا فرصة سانحة لمهاجمة تلك الجيوش الكبيرة أجزاء متفرقة بعد أن رأى من العبث مهاجمتها مجتمعة.
يبعث إليه الحجاج بجيوش - ملء السهل والجبل - فيطاولها شبيب ويبيتها الفينة بعد الفينة، فإن كان قائدها حذرا عاد شبيب من حيث أتى، وإلا هاجمها واشتبك معها في موقعة حاسمة تنتهي بهزيمة أعدائه ومحاربيه.
ولا معدى لمحاربه عن أحد أمرين: أن يخندق على عسكره ولا يترك وسيلة من وسائل الحيطة إلا اتخذها، أو ينفد صبره فيهاجمه في حيثما كان.
فإن كانت الأولى فقد تمضي الأيام والأسابيع، بل والشهور بلا طائل. وإن كانت الأخرى فقد تعجل الهزيمة أو الهلاك لنفسه وجيشه جميعا. •••
قالوا إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال له: «انتخب الناس واخرج في طلب هذا العدو.»
منشور الحجاج
وكتب الحجاج إلى رجال جيشه المنشور التالي:
أما بعد، فقد اعتدتم عادة الأذلاء، ووليتم الدبر - يوم الزحف - وذلك دأب الكافرين، وإني قد صفحت عنكم - مرة بعد مرة، ومرة بعد مرة - وإني أقسم لكم بالله قسما صادقا، لئن عدتم لذلك لأوقعن بكم إيقاعا أشد عليكم من هذا العدو الذي تهربون منه في بطون الأودية والشعاب وتستترون منه بأثناء الأنهار وألواذ الجبال، فخاف من له معقول على نفسه ولم يجعل عليها سبيلا، وقد أعذر من أنذر.
وقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
والسلام عليكم.
وقد خرج عبد الرحمن بجيشه حتى مر بالمدائن فنزل بها يوما وليلة وتشرى أصحابه حوائجهم، ثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى «الجزل بن سعيد».
نصيحة الجزل
فقال الجزل لعبد الرحمن: «يا ابن عم، إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب وأحلاس الخيل، والله لكأنما خلقوا من ضلوعها ثم بنوا على ظهورها.
ثم هم أسد الأجم، الفارس منهم أشد من مائة، إن لم تبدأ به بدأ بك، وإن هجهج أقدم. فإني قد قاتلتهم وبلوتهم، فإذا أصحرت لهم انتصفوا مني، وكان لهم الفضل علي، وإذا خندقت عليهم وقاتلتهم في مضيق نلت منهم بعض ما أحب، وكان لي عليهم الظفر. فلا تلقهم - وأنت تستطيع - إلا في تعبئة أو في خندق.»
في أثر شبيب
خرج عبد الرحمن بجيشه - بعد أن شكر الجزل على نصيحته القيمة - فلما دنا من شبيب ارتفع عنه شبيب إلى مكان آخر، فخرج عبد الرحمن في طلبه حتى إذا كان على التخوم أقام وقال: «إنما هو في أرض الموصل فليقاتلوا عن بلادهم أو ليدعوه.»
ولكن كتابا من الحجاج جاءه يقول:
أما بعد فاطلب شبيبا واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده والسلام.
قالوا: «فخرج عبد الرحمن - حين قرأ كتاب الحجاج - في طلب شبيب فكان شبيب يدعه، حتى إذا دنا منه بيته، فيجده قد خندق على نفسه وحذر، فيمضي ويدعه، فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغه أنه تحمل وأنه يسير أقبل في الخيل، فإذا انتهى إليه وجده قد صف الخيل والرجال وأدنى الرامية فلا يصيب له غرة، فيمضي ويدعه.»