تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو كان شبيب رجلا غربيا لكان رجلا عالميا لا يجهله أحد من خاصة الناس وعامتهم في أقطار الأرض قاطبة، ولكنه عربي أولا، وخارجي ثانيا. (2-2) النصر الأول

رأينا في مصرع صالح بن مسرح كيف انتهت الموقعة الأخيرة بقتل صالح وكادت تنتهي بقتل شبيب معه، فقد صرع عن فرسه، ولكن شجاعته الخارقة لم تفته في هذا الموطن الحرج، فشد على أعدائه فكشفهم، ثم نادى أصحابه فلاذوا به فقال لهم: «ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه إذا أقدم عليه؛ حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا.»

وقد استطاع أصحابه - وعدتهم سبعون رجلا - أن يصلوا إلى الحصن ويدخلوه بفضل هذه النصيحة الحكيمة، وكان ذلك في المساء. ولم يلبثوا في الحصن إلا قليلا حتى قال لهم شبيب: «ما تنتظرون؟ فوالله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم.»

فقالوا له: «مرنا بأمرك.»

فقال لهم: «إن الليل أخفى للويل، بايعوا من شئتم ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم، فإنهم لذلك منكم آمنون وأنا أرجو أن ينصركم الله عليهم.»

قالوا له: «فابسط يدك فلنبايعك.»

فبايعوه، ثم خرجوا، فلم يشعر أعداؤهم إلا وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم، فضاربوهم حتى صرع قائدهم «الحارث» فاحتمله أصحابه وانهزموا وخلوا لهم المعسكر وما فيه.

وهكذا استطاع شبيب - بفضل شجاعته وإقدامه وبعد نظره - أن يغنم موقعة خاسرة وأن ينتصر في موقف كل ما فيه ينطق بأن الهزيمة لا بد حائقة به، والخذلان لا بد مكتوب عليه، كما استطاع أن يهزم الجيش الذي قتل صالحا وكاد يقضي على أصحاب صالح وشبيب، وتم لشبيب النصر بفضل إقدامه وحزمه.

قالوا: «وكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب.» (2-3) نصر جديد

وعظم أمر شبيب بعد هذه الوقعة، ولم يلبث أن رأى فيه الحجاج مناوئا خطرا وخصما لدودا، وبعث الحجاج إلى «سفيان الخثعمي» أن يسير حتى ينزل بالدسكرة فيمن معه، ثم يقيم حتى يأتيه جيش الحارث بن عميرة الهمداني «الذي قتل صالح بن مسرح» فيسيروا جميعا إلى شبيب لمناجزته.

ولكن سفيان عجل الارتحال في طلب شبيب فلحقه بخانقين في سفح جبل.

قالوا: وأصحر لهم شبيب ثم ارتفع عنهم - كأنه يكره لقاءه - وكان شبيب قد أكمن له أخاه ومعه خمسون، فحسبوا شبيبا قد هرب فأسرعوا خلفه، حتى إذا جازوا الكمين عطف عليهم وخرج الكمين من خلفهم، فحمل شبيب عليهم من أمامهم وصاح بهم الكمين من ورائهم، فكانت الهزيمة لهم والنصر لشبيب. وقد خر سفيان بين القتلى ثم حمل جريحا، بعد أن استبسل في قتاله، وأخبر الحجاج بما كان من أمره فقبل عذره وكتب إليه الحجاج:

أما بعد فقد أحسنت البلاء وقضيت الذي عليك، فإذا خف عنك الوجع فأقبل مأجورا إلى أهلك والسلام.

وخرج «سورة بن أبجر» في طلب شبيب كما أمره الحجاج، قالوا: تخير ثلاثمائة رجل من أهل القوة والجلد والشجاعة، ولكن شبيبا انتهى بالتغلب عليه وهزمه وجيشه. (2-4) حربه مع الجزل بن سعيد

ودعا الحجاج إليه «الجزل عثمان بن سعيد» فقال له: «تيسر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق ولا تحجم إحجام الواني الفرق، هل فهمت.»

فقال: «نعم أصلح الله الأمير، قد فهمت.»

فقال: «فاخرج فعسكر بدير عبد الرحمن حتى يخرج إليك الناس.»

فقال: «أصلح الله الأمير، لا تبعثن معي أحدا من أهل الجند المفلول المهزوم فإن الرعب قد دخل قلوبهم.»

فقال له: «ذلك لك، ولا أراك إلا قد أحسنت الرأي ووفقت.»

وجمع له الحجاج أربعة آلاف رجل، ثم نادى منادي الحجاج فيهم أن «برئت الذمة من رجل أصبناه من هذا البعث متخلفا.»

وما زال الجزل بن سعيد يسير في أثر شبيب - وشبيب يريه الهيبة - ويخرج من رستاق إلى رستاق، وإنما أراد شبيب بذلك أن يفرق الجزل أصحابه ويتعجل إليه فيلقاه في يسير من الناس على غير تعبئة. ولكن الجزل كان حريصا فلم يكن يسير إلا على تعبئة، ولا ينزل إلا خندق على نفسه خندقا.

مصارع الأعيان · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ١٦