تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

في ألف رجل. وأراد القائد أن يهادنهم فبعث إليهم رسولا يخبرهم أنه يلقاهم وهو كاره، ويطلب إليهم أن ينصرفوا عن هذا البلد إلى غيره، فحبسوا الرسول ودهموا ذلك الجيش - وهو على غير تعبئة وقائدهم يصلي الضحى - فهزموه وهرب عدي وأصحابه وانتهبوا أموالهم وأسلابهم.

الموقعة الثانية

لم يكد يعلم محمد بن مروان بهزيمة الجيش حتى غضب وأرسل قائدين من قواده على جيشين: عدد كل جيش منهما ألف وخمسمائة فارس وطلب إلى القائدين التعجيل بالخروج إليه، وقال لهما: «اخرجا إلى هذه الخارجة الخبيثة، وعجلا الخروج وأغذا السير، فأيكما سبق صاحبه فهو الأمير على صاحبه.»

قالوا: فخرجا من عنده فأغذا السير وجعلا يسألان عن صالح بن مسرح فيقال لهما: «إنه توجه نحو آمد.»

فاتبعاه حتى انتهيا إليه - وقد نزل على أهل آمد - فنزلا ليلا فخندقا وانتهيا إليه - وهما متساندان - كل واحد منهما في أصحابه على حدته. فوجه صالح شبيبا إلى أحدهما في شطر أصحابه وتوجه إلى الآخر في الشطر الثاني.

رواية شاهد عيان

وبدأ القتال من العصر إلى المساء.

قال أحد أصحاب صالح: صلى بنا صالح العصر ثم عبأنا لهم فاقتتلنا كأشد قتال اقتتله قوم قط. وجعلنا - والله - نرى الظفر، يحمل الرجل منا على العشرة منهم فيهزمهم وعلى العشرين فيهزمهم. وجعلت خيلهم لا تثبت لخيلنا. فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا وأمرا جل من معهما فترجل. فعند ذلك جعلنا لا نقدر منهم على الذي نريد.

إذا حملنا عليهم استقبلتنا رجالتهم بالرماح ونضحتنا رماتهم بالنبل، وخيلهم تطاردنا في خلال ذلك، فقاتلناهم إلى المساء حتى حال الليل بيننا وبينهم وقد أفشوا فينا الجراحة وأفشيناها فيهم.

ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا، وقد قتلوا منا نحوا من ثلاثين رجلا وقتلنا منهم أكثر من سبعين، فوقفنا مقابلهم ما يقدمون علينا وما نقدم عليهم. فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم ورجعنا إلى عسكرنا.

وقد اجتمع صالح وأصحابه للشورى فقال شبيب: «إنا قد لقينا هؤلاء القوم فقاتلناهم وقد اعتصموا بخندقهم، فلا أرى أن نقيم عليهم.»

فوافقه صالح على رأيه وخرجوا في ليلتهم سائرين حتى وصلوا إلى أرض الموصل ثم قطعوها ومضوا حتى قطعوا الدسكرة.

الموقعة الحاسمة

ولم يكد يعلم الحجاج بذلك حتى بعث إليهم «الحارث بن عميرة» في ثلاثة آلاف رجل، فلقيهم في إحدى قرى الموصل - وصالح في تسعين رجلا - فعبأ صالح أصحابه في ثلاثة كراديس في كل كردوس ثلاثون رجلا؛ فهو في كردوس وشبيب في كردوس في ميمنته وسويد في كردوس في الميسرة.

مصرع صالح

قالوا: «فلما شد عليهم الحارث بن عميرة - في جماعة أصحابه - انكشف سويد وثبت صالح بن مسرح فقتل وضارب شبيب حتى صرع.»

3 (2) مصرع شبيب

4

فأقبل شبيب على فرسه - وكانت بين يديه فرس أنثى - فنزا عليها فرسه وهو فوق الجسر فاضطربت ونزل حافر فرسه على حرف السفينة فسقط في الماء وسقط معه شبيب - وهو مثقل بالحديد من درع ومغفر وغيرهما - فقال:

ليقضي الله أمرا كان مفعولا .

وارتمس في الماء ثم ارتفع فقال له بعض أصحابه وهو يغرق: «أغرقا يا أمير المؤمنين؟!»

فقال:

ذلك تقدير العزيز العليم . (2-1) شجاعة شبيب

ليت شعري أي مصرع كان يلقاه شبيب لو لم يهلك غرقا؟

لقد كان شبيب قوة لا تقهر، وقد أظهر من ضروب البسالة والإقدام ما سلكه في عداد القوم العالمين الذين كتبوا في سجل الخلود، ولست أدري إلى أي مدى كان يتغير التاريخ الاسلامي لو لم يعاجله القضاء.

ويأتي قضاء ما لكم عنه حاجز

فألقوا إلى مولاكم بالمقالد

لقد كان يهزم الجيش المكون من ألوف الفرسان وهو - في عشرات من رجاله - وكان ملهم الخاطر فطنا بطرق النصر، بطلا في انتصاره وهزيمته على السواء، لا يكاد يرى أن حربه مع خصمه غير مجدية حتى يولي وجهه إلى مكان آخر تجدي فيه الشجاعة والإقدام، ولا يضعف إلا ريثما يستريش وينجبر ويعود بعد قليل من الزمن أقوى منه من قبل. ومن الناس من تقرأ تاريخه فتشعر من أعماق نفسك أن مثل هذا لا يغلب ولا سبيل إلى هزيمته، ولو تألبت عليه قوى الأرض كلها، وهذا هو شعور كل من يتتبع أخبار شبيب وحروبه المظفرة.

مصارع الأعيان · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ١٥