تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وطال الزمن عليهم، وأراد شبيب أن يبيته، ولكنه وجد الجزل حذرا وقد بث العيون والأرصاد فلم يظفر منهم بطائل، قالوا: فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم تركهم بعد أن أعاد الكرة فلم يفلح.

وجد الجزل في أثرهم، وكان - كما يقولون - يتبعهم فلا يسير إلا على تعبئة ولا ينزل إلا على خندق، وكان شبيب يدعه ويضرب فيما يليه من الأراضي يكسر الخراج، وطال ذلك على الحجاج، فكتب إلى الجزل:

أما بعد، فقد بعثتك في فرسان أهل المصر ووجوه الناس وأمرتك باتباع هذه المارقة الضالة المضلة حتى تلقاها فلا تقلع عنها حتى تقتلها وتفنيها، فوجدت التعريس في القرى والتخييم في الخنادق أهون عليك من المضي لما أمرتك به من مناهضتهم ومناجزتهم والسلام.

قال أحد جنود ذلك الجيش: «فقرئ الكتاب علينا، فشق ذلك على الجزل، وأمر الناس بالسير، فخرجوا في طلب الخوارج جادين، وأرجفنا بأميرنا وقلنا: يعزل.» •••

وبعث الحجاج «سعيد بن المجالد» على ذلك الجيش وعهد إليه: «إن لقيت المارقة فازحف إليهم ولا تناظرهم ولا تطاولهم، واستعن بالله عليهم، ولا تصنع صنيع الجزل، واطلبهم طلب السبع، وحد عنهم حيدان الضبع.»

حماسة سعيد بن المجالد

وسار سعيد حتى وصل عسكر أهل الكوفة، وكان الجزل قد أدرك شبيبا في النهروان، ولزم عسكره وخندق عليه، فقام سعيد فيهم خطيبا متحمسا، فقال: «يا أهل الكوفة، إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم وأنتم في طلب هذه الأعاريب العجف منذ شهرين، وقد خربوا بلادكم وكسروا خراجكم، وأنتم حاذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها إلى أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم ونزلوا بلدا سوى بلدكم! اخرجوا على اسم الله إليهم.»

قالوا: فخرج وأخرج الناس معه وجمع إليه خيول أهل العسكر، فقال له الجزل: «ما تريد أن تصنع؟»

قال: «أريد أن أقدم على شبيب في هذه الخيل.»

فقال له الجزل: «أقم أنت في جماعة الجيش - فارسهم وراجلهم - وأصحر له، فوالله ليقدمن عليك، فلا تفرق أصحابك فإن ذلك شر لهم وخير لك.»

ولكن سعيدا المتحمس أبى أن يصيخ إلى هذه النصيحة القيمة المؤسسة على الروية والتجربة وأصالة الرأي، فقال للجزل: «قف أنت في الصف.»

فقال له الجزل: «يا سعيد بن مجالد، ليس لي فيما صنعت رأي، أنا بريء من رأيك هذا، سمع الله ومن حضر من المسلمين.»

فقال سعيد: «هو رأيي، إن أصبت فالله وفقني له، وإن يكن غير صواب فأنتم منه برآء.»

وهكذا تأهب سعيد للحرب وأخرج الجند من الخنادق. ليعجل بقتل شبيب وأصحابه - فيما يزعم - وهو في الحقيقة إنما يتعجل الهلاك لنفسه والهزيمة لجيشه من حيث لا يعلم.

مثال على شجاعة شبيب

وكان شبيب قد أمر بإغلاق باب المدينة وأمر الدهقان بإحضار طعام لهم، وصعد الدهقان السور، فنظر إلى الجند مقبلين قد دنوا من الحصن، فنزل وقد تغير لونه، فقال له شبيب: «ما لي أراك متغير اللون؟!»

فقال له الدهقان: «قد جاءتك الجنود من كل ناحية.»

قال: «لا بأس، هل أدرك غداؤنا؟»

قال: «نعم.» قال: «فقربه.»

وأتي بالغداء فتغدى وتوضأ وصلى ركعتين، ثم دعا ببغل له فركبه، ثم اجتمعوا، وأمر بالباب ففتح ثم خرج على بغله.

مصرع سعيد بن مجالد

وحمل عليهم شبيب وهو يقول: «لا حكم إلا للحكم الحكيم، اثبتوا إن شئتم.»

قالوا: وجعل سعيد يجمع قومه وخيله ثم يدلفها في إثره وهو يقول: «ما هؤلاء؟ إنهم أكلة رأس؟»

ولم يلبث شبيب أن شد عليهم فهزمهم، وثبت سعيد بن مجالد وظل ينادي أصحابه: «إلي، إلي، أنا ابن ذي مروان!»

قالوا: «فأخذ قلنسوته فوضعها على قربوس سرجه، وحمل عليه شبيب فعممه بالسيف فخالط دماغه فخر ميتا .»

وهكذا هزم الجيش وقتلوا كل قتلة حتى انتهوا إلى الجزل، وقد قاتل الجزل قتالا شديدا حتى حمل من بين القتلى جريحا. ثم كتب إلى الحجاج بما حدث.

كتاب الجزل إلى الحجاج

مصارع الأعيان · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ١٧