تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تخاذل أنصاره

أما تخاذل أنصاره فهو واضح لا يحتاج أي تدليل. فقد كانوا متخاذلين في سياستهم مترددين في عزيمتهم، مكتفين بإخلاصهم للحسين معتمدين على أن حقهم سيغلب - بلا شك - باطل خصومهم. وقد كان فيهم أفراد غاية في البطولة، ولكنهم صرعوا لتخلف الجماعة عنهم. انظر إلى هانئ بن عروة يتمارض ليعوده ابن زياد في بيته، ثم يوصي أصحابه بقتل ابن زياد وقت زيارته إياه، متى قال لهم هانئ: «اسقوني» فيجيء ابن زياد يعوده، ويقول هانئ اسقوني فلا يلبيه أحد. ثم يخرج ابن زياد آمنا مطمئنا ويتبين المكيدة فيأمر بإحضار هانئ إليه، فيحضرونه إليه رغم أنفه، فيتناول ابن زياد العصا التي كانت مع هانئ فيضرب بها وجهه حتى يكسرها ثم يقدمه فيضرب عنقه. وهكذا يتبدل مجرى التاريخ بسبب ذلك الضعف وتسير الأمور في غير مجراها الذي كان من الطبيعي أن تسير فيه.

وانظر إلى مسلم بن عقيل يخذله من معه وهم نحو ثلاثين ألفا - وهم كثيرون - ويتفرقون عنه فيسلموه إلى عدوه، وقد كان النصر حليفه لو كان أنصاره مخلصين في معاونته مستبسلين في الدفاع عن رأيهم، فإذا دعا به عبيد الله بن زياد ليضرب عنقه قال له مسلم: «دعني حتى أوصي.» ثم ينظر في وجوه الناس فيرى عمر بن سعد فيقول له: «ما أرى ها هنا من قريش غيرك فادن مني حتى أكلمك.» فيدنو منه عمر بن سعد فيقول له مسلم: «هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش؟ إن الحسين ومن معه - وهم تسعون بين رجل وامرأة - في الطريق فارددهم واكتب إليهم بما أصابني.»

قالوا: ثم ضرب عنقه وقد أفضى عمر بن سعد إلى زياد بما أخبره به مسلم فقال له ابن زياد: «أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك.»

15

وهكذا أراد الله أن تتضافر الأسباب كلها على إهلاك الحسين وأن يشترك أعداؤه مع أنصاره - على الرغم منهم - في تعجيل موته. ونحسب أن كلمة ابن عباس التي ذكرناها في هذا الفصل قد جمعت أهم الأسباب الأخرى التي أدت إلى هذا المصرع المروع.

| هوامش

| مصارع الخوارج

(1) مصرع صالح بن مسرح

1

فلما شد عليهم الحارث بن عميرة في جماعة أصحابه انكشف سويد وضارب شبيب حتى صرع، وثبت صالح بن مسرح فقتل. (1-1) كيف أوقد نار الفتنة

ما أدري ما تنتظرون؟

حتى متى أنتم مقيمون؟

هذا الجور قد فشا، وهذا العدل قد عفا، ولا تزداد الولاة على الناس إلا غلوا وعتوا وتباعدا عن الحق وجرأة على الرب، فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحق مثل الذي يريدون، فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون، وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون.

صالح بن مسرح

هكذا كان يوقد صالح نار الفتنة ويحتث أصحابه من الخوارج ويذيع دعوته بين الناس ويتخذ من زهده ونسكه - أو من تظاهره بالزهد والنسك على الأصح - وسيلة إلى استنفار المسلمين لقتال إخوانهم من المسلمين وتمزيق وحدتهم وشق عصا الطاعة على الحكام، وإيقاظ نار فتنة هوجاء طالما أيقظها أضرابه من الخوارج، فشغلت الأمم الإسلامية بعضهم ببعض، وأضاعت من قواها ما لو وجهت بعضه إلى الغزو لتضاعف انتصارها أو إلى الإصلاح لأتى بأطيب الثمار.

نموذج من قصصه

وإليك نموذجا من قصصه الذي كان يذيعه بين الناس مؤيدا به مذهبه ووجهة نظره، فقد كان يكثر من حمد الله والصلاة على نبيه وعلى أبي بكر وعمر ليمهد بذلك إلى الطعن على عثمان وعلى كافة المسلمين، والتحريض على سفك الدماء وقتل الأبرياء، ومما نذكره من كلامه قوله: إن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال تعالى في كتابه:

ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون .

إلى أن يقول: «ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولا من أنفسهم، فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم ووفقهم في دينهم، وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما. حتى قبضه الله

مصارع الأعيان · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ١٣