عدم قبول النصائح
ولقد أصر الحسين - رضي الله عنه - على الذهاب دون أن يستمع إلى نصح الناصحين، وقد ذكرنا قولة الفرزدق الحكيمة له، ولنذكر ههنا نصيحة ابن عباس البعيد النظر.
ذكروا أن الحسين لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال له: «يا ابن عم، إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟»
فقال له الحسين: «إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى.»
فقال له ابن عباس: «فإني أعيذك بالله من ذلك. أخبرني - رحمك الله - أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم. وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وأن يستغفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك.»
فقال له الحسين: «وإني أستخير الله وأنظر ما يكون.»
وقد كان في هذه النصيحة الحكيمة مقنع لولا أن القضاء يأبى إلا أن ينفذه. ثم جاء منافسه في الخلافة «عبد الله بن الزبير» فحدثه ساعة - كما يقولون - ثم قال: «ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم؟ خبرني ما تريد أن تصنع؟»
فقال الحسين: «والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشراف أهلها، وأستخير الله.»
فقال له ابن الزبير: «أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها شيئا.»
قالوا: ثم إنه خشي أن يتهمه فقال له: «أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا ما خولف عليك إن شاء الله!» ثم قام فخرج من عنده.
فقال الحسين: «ها إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوه بي فود أني خرجت منها لتخلو له.»
قالوا: فلما كان من العشي - أو من الغد - أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال: «يا ابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال. إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم. أقم بهذا البلد فإنك سيد الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم، ثم اقدم عليهم. فإن أبيت إلا أن تخرج، فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعابا، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة. فتكتب إلى الناس وتبث دعاتك؛ فإني أرجو أن يأتيك - عند ذلك - الذي تحب في عافية.»
فقال له الحسين: «يا ابن العم، إني والله أعلم أنك ناصح مشفق، ولكني زمعت وأجمعت على المسير.»
فقال له ابن عباس: «فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.»
ثم قال ابن عباس: «لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك. والله الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني لفعلت ذلك.»
قالوا: ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بعبد الله بن الزبير فقال: «قرت عينك يا ابن الزبير!» ثم قال:
يا لك من قنبرة بمعمر
خلا لك الجو فبيضي وأصفري
ونقري ما شئت أن تنقري •••
وهكذا ضرب الحسين بتلك النصائح القيمة عرض الأفق وسار إلى حينه سيرا حثيثا، وهو الأديب الفطن الذي لم تكن لتفوته خافية ولكنه القدر: «والعقل زين ولكن فوقه القدر» كما يقول أبو العلاء.
عدم تنظيم الدعوة
أما العناية بتنظيم الدعوة وتنظيم أمرها، فقد أغفلت إغفالا تاما، فقد اكتفى الحسين بثقته من محبة الناس إياه وإجلالهم له لمكانه من الرسول، واكتفى أنصاره بإخلاصهم له وتفانيهم في حبه، دون أن ينظموا دعوتهم ويوحدوا صفوفهم ويحتاطوا لمكائد أعدائهم. فكانت العاقبة فشلا محققا.