تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان المصحح الوحيد بمدرسة المهندسخانة، ولد في دسوق سنة 1226، ثم أتم علومه في الأزهر، وفي سنة 1248 عين مصححا بمدرسة الطب، ولكنه لم يلبث بها إلا قليلا ثم نقل إلى مدرسة المهندسخانة، وقد قام بتصحيح جميع الكتب الرياضية التي ترجمت بها في عهدي محمد علي وعباس، فلما ألغيت المدرسة في عهد سعيد باشا نقل مصححا بمطبعة بولاق، وقد شارك في أوقات مختلفة في تحرير «الوقائع المصرية» ومجلة «اليعسوب» الطبية.

وفي عهد إسماعيل رقي إلى رئيس مصححي مطبعة بولاق، وقد اتصل الدسوقي اتصالا وثيقا بالمستشرق الإنجليزي «المستر لين»

22

واشتركا معا في قراءة «القاموس» وتفهمه، فإذا افترقا ترجم «لين» ما قرأه إلى اللغة الإنجليزية، وظل على ذلك سنوات حتى أتم تسعة أعشاره، ثم سافر إلى لندن حيث أعد العشر الأخير، وطبع القاموس لأول مرة في لندن سنة 1863 تحت عنوان

Lane’s Arabic English Lexicon

وقد عاش الدسوقي نحو أربع وسبعين سنة، وتوفي في سنة 1300. (5) في مدرسة الألسن

كان رفاعة يشرف بنفسه على مراجعة وتصحيح الكتب التي تترجم في المدرسة أول إنشائها، فلما كثر إنتاجهم، أشرك رفاعة معه في هذا العمل بعض مدرسي الألسن، وخاصة المشايخ محمد قطة العدوي، وأحمد عبد الرحيم الطهطاوي، ومحمد الفرغلي، وقد أشرنا إلى الكتب التي صححها كل منهم في قائمة الكتب المترجمة الملحقة بهذه الرسالة.

هؤلاء هم المصححون والمحررون، وهذه لمحة عن جهودهم تبين في وضوح أنهم أفادوا حركة الترجمة والنهضة العلمية الحديثة فوائد جمة، فخرجت الكتب المترجمة سليمة من اللكنة والعجمى، خالية بقدر الإمكان من الأخطاء، وقد حاول الكثيرون منهم قدر استطاعتهم التوفيق بين المصطلحات العلمية الحديثة والمصطلحات العلمية القديمة، وجمعوا لكتبهم مجموعة كبيرة منها تصلح لأن يتخذها المجمع اللغوي أساسا طيبا لجهوده في هذا الميدان.

وفي نفس الوقت أفاد بعض هؤلاء المحررين - وخاصة الشيخ التونسي - الكثير من اشتغاله بهذه الحركة، ففهموا بعض ما جاء في الكتب العلمية المترجمة، وكسبوا لأنفسهم معارف جديدة واسعة، وأضافوا إلى ثروتهم اللغوية ثروة جديدة لكثرة ما قلبوا الكتب باحثين ومنقبين، ولكثرة ما نحتوا واشتقوا واقتبسوا من ألفاظ ومصطلحات جديدة؛ ولهذا كانوا يحاولون دائما - فيما يكتبون من مقدمات - أن يعلنوا عن هذه المعرفة الجديدة التي كسبوا، وفيما يلي مثال لهذا الإعلان تخيرناه مما كتبه التونسي - زعيم هذا الميدان - في مقدمته لكتاب «الجواهر المسنية في الأعمال الكيمياوية» للدكتور «برون»، وقد شحن التونسي هذه المقدمة بمعظم المصطلحات الكيميائية التي وردت في متن الكتاب، قال: «... يا من تتصاعد إليه الأرواح وتتسامى، وتذوب الأجسام من هيبة جلاله وعلى باب عفوه تترامى، تنزهت ذاتك العلية عن التركيب والتحليل، وتقدست صفاتك السنية عن التغيير والتبديل، لا إله إلا أنت، خلقت لنا ما في الأرض من المعادن والنباتات والحيوانات، وأوجدت لنا الحلو والحامض، والعذب والملح من المطعومات، وألهمتنا معرفة العناصر والبسائط والمركبات، فسبحانك من إله تفطرت دموع الخائفين من سطوة عذابه، والتهبت أحشاء المذنبين من أليم عقابه، ووجلت قلوب المحبين من خشية عتابه، فيا من حمده أعظم كيمياء لإكسير الثواب، وشكره أجود موصل إلى دار المآب، نحمدك على نعمك التي علينا عمت وجلت، حمدا تخلص به مهجنا وأجسامنا من حرارة النار التي أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، ونشكرك شكر من ألنت له الحديد لعمل السابغات، وأرسلت لولده عين القطر، وسخرت له الجن يعملون ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب (؟) وقدور راسيات، ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك شهادة تنقذنا بها من كل عمل مشكور، كما أنقذت من أنزلت عليه

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٩٥