حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبدك ورسولك، الذي مثلت قلبه الشريف بزجاجة فيها مصباح، وجذبت بمغناطيس أنواره الأرواح، فانقادت له الأشباح، وهديتنا به من المعوج إلى السمحا البيضا، وأفضت عليه من العلوم اللدنية فيضا، وجعلت ذاته الشريفة قابلة لزيادة الكمال بلا ارتياب، وأنزلت عليه
يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب ، اللهم فصل عليه وعلى آله مصابيح الدين، وأصحابه الذين كانوا كشواظ من نار ونحاس على الكافرين، ما رشحت أنابيق الغمام فنزلت دموعها قطرات، وسال تيار المياه على الوهاد فأصبحت الأرض مخضرة بأصناف النبات، ولمعت قطع البرد على البسيطة كالبللورات المنشورية والمربعات، وتولدت الحوامض والأكاسيد والأملاح من المعادن والنباتات والحيوانات، وسلم تسليما كثيرا، وبعد: فيقول مرتجي العفو من المنان، محمد التونسي بن عمر بن سليمان: لما كانت الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أينما وجدها، وأبرك يوم عنده ما أحرز فيه مسألة واستفادها وأفادها، وكان من أجلها علم الكيمياء الذي لم يسمح بمثله الزمان؛ إذ هو أساس لعلم الشفاء ومعالجة الأبدان، فهو له كالأم وعلم الطبيعة كأبيه، ولا ينكر ذلك إلا كل جاهل سفيه، لم لا؟ وبه يعرف تحليل الأجسام وتركيبها، وتقطير الأملاح وتبلورها وتذويبها وتأكسد المعادن واستحضار الغازات، وتجهيز الحوامض والأملاح ومنافع الفلزات، وتتميز السموم عن غيرها من الاستحضارات، ولا تتم مهارة الطبيب إلا به، ويدرك خطأ من صوابه كان الواجب على العاقل أن يتلقاه ولو من غير أهل الإسلام ... إلخ ... إلخ.»
الفصل الخامس
| القواميس والمعاجم
لم يكن في مصر قبل الحملة الفرنسية عارفون باللغات الغربية أو قواميس لها، علماء الحملة يحضرون معهم بعض القواميس، أليوس بقطر يضع أول قاموس فرنسي عربي، الجماعات والمجلات الآسيوية وجهودها، قاموس الأب رفاييل، مطبعة بولاق تطبع بعض قواميس اللغات الثلاث، إبراهيم باشا يشير على رفاعة بوضع قاموس فرنسي عربي، طريقة رفاعة في إلحاق بعض المعاجم لكتبه التي ترجمها، قاموس سريوس أفندي، تلاميذ رفاعة يقتدون به، جهود خريجي الألسن لوضع القواميس، مترجمو المهندسخانة ينهجون نهج رفاعة، جهود مدرسة الطب لترجمة القواميس الطبية الفرنسية، قاموس الشذور الذهبية، قاموس مستر «لين». ***
ذكرنا من قبل أن الصلات العلمية بين مصر والغرب كانت مقطوعة مبتوتة طول العهد المملوكي العثماني، فلم يكن في مصر معهد واحد تدرس فيه أية لغة من اللغات الأوروبية، ولم يكن في مصر من له معرفة بإحدى هذه اللغات، أو يتحدث بها، غير أفراد الجاليات الأوروبية، وقد كانوا يعيشون في عزلة وفي أحياء خاصة بهم حيث تقوم متاجرهم ومساكنهم.
وقد كانت الحكومة منذ عصر المماليك حتى مجيء الحملة الفرنسية تحتفظ دائما بوظيفة تقليدية هي وظيفة «الترجمان»، وكانت «خدمته الوقوف في كل ديوان لأجل تعريف الكلام بكل لسان»،
1
وقد ظل هذا التقليد معمولا به حتى أوائل عصر محمد علي، فتولى هذا المنصب بوغوص بك، ثم لقب فيما بعد بناظر الخارجية، وتولى إدارة ديوان التجارة والأمور الخارجية، أو بمصطلح العصر التركي «أمور إفرنجية وتجارة مصرية ديواني».
2
فلما وفدت الحملة الفرنسية على مصر عانت ما عانت من مشكلة الترجمة،
3
واستعانت على حلها بطائفة من السوريين، وببعض من حضروا معها من المستشرقين، وقد كانت ترجمة هؤلاء اجتهادية غير دقيقة؛ فقد كانت تنقصهم القواميس التي تجمع بين مفردات اللغتين الفرنسية والعربية، وقد ذكر الجبرتي أنه رأى في مكتبة المعهد العلمي عند زيارته لها كتبا «مفردة لأنواع اللغات وتصاريفها، واشتقاقاتها بحيث يسهل عليهم نقل ما يريدون من أي لغة كانت إلى لغتهم في أقرب وقت».