ويقول الشيخ القنياتي بعد ذلك في نفس المقدمة: «ولطالما كنا (أي هو والتونسي) نقابله على أصله بحضرة وملاحظة من بلغ ذروة تلك العلوم، وعلى أقصى درجة في منطوقها والمفهوم، الماهر اللبيب، اللوذعي الأديب الحكيم الكيماوي، حائز فرائض تلك الفنون، ناظر مدرسة الطب البشري الشهير بيرون، ولكونه يحسن اللغتين الفرنساوية والعربية، وله بهذا الفن خبرة وحسن روية صار يقتنص إلى هذا الكتاب كل عويصة شاردة، ويرد إليه كل فريدة دقيقة الفهم نادرة آبدة.»
كذلك اشترك الشيخان في تصحيح كتاب «التنقيح الوحيد في التشريح الخاص الجديد» الذي ترجمه الدكتور محمد الشباسي، وتم طبعه في بولاق سنة 1266، وهو كتاب ضخم من ثلاثة أجزاء كبار، يقول الشيخ التونسي في مقدمته: «ولما تم ترجمة وإتقانا، وتهذيبا وإحسانا، وكل أمر تصحيحه إلى حضرة المصحح الأول، من كان عليه في مساعدتي المعول، الأخ المواتي، الشيخ سالم عوض القنياتي، فصحح منه الجزء الأول، وعاقه الرمد عن الثاني، فشرعت في تصحيح ما بقي منه بدون تواني.»
ويبدو أن مقام الشيخين كان واحدا؛ فقد كان لهما الصدارة بين بقية المصححين، ولكن وثائق العصر تلقب الشيخ سالما «بالمصحح الأول» بينما تلقب التونسي «بالباشمصحح». (1-5) الشيخ محمد عمر التونسي
هو نابغة المصححين والمحررين، وزعيمهم جميعا في ذلك العصر، وقد أهلته لهذا المنصب ثقافة واسعة جناها من الكتب أولا، ومن رحلاته العديدة ثانيا.
وحياة هذا الرجل عجيبة من عجائب ذلك العصر، فهو تونسي أصلا ومولدا، وإن كانت أمه مصرية وقد عشقت أسرته الرحلة، فعاش هو وأبوه وجده في مصر وبلاد العرب والسودان أكثر مما عاشوا في وطنهم الأصلي تونس.
ولد الشيخ محمد عمر في 27 يوليو 1789/منتصف ذي القعدة 1204، ثم نشأ نشأته الأولى في مصر وكان أبوه قد رحل إلى السودان باحثا عن أبيه، فأعجبته الحياة هناك فاستقر بتلك البلاد، ونال الحظوة الكبرى عند سلطان دارفور عبد الرحمن بن أحمد (توفي 1214 / 1799)، ولما ضاقت سبل الرزق في وجه محمد رحل هو أيضا إلى دارفور باحثا عن أبيه، وقد أقام هناك مدة طاف في خلالها بأرجاء دارفور وواداي، ثم عاد إلى مصر في الوقت الذي كانت تتأهب فيه حملة المورة بالمسير فعين واعظا للآلاي الثامن من آلايات تلك الحملة.
وفي سنة 1832 (وهي السنة التي سافر فيها الرشيديان إلى باريس) عاد إلى مصر مع الحملة فاختير مصححا بمدرسة الطب، وهناك تعرف على الدكتور «برون» وأعجب كل منهما بالآخر، وتتلمذ برون على التونسي، وقرأ عليه كتاب كليلة ودمنة وكتبا أخرى، وتعاونا معا على مراجعة الكتب الطبية العربية لاختيار المصطلحات التي تيسر لهم ترجمة الكتب الفرنسية، وفي جلساتهما الخاصة تحدث التونسي إلى صاحبه عن مشاهداته في بلاد السودان، فأوعز إليه أن يسجلها في كتاب خاص. يقول التونسي: «فذكرت له بعض ما عانيته في أسفاري من العجائب فحملني على أن أزين وجه الدفتر بإيضاح ما شاهدته، فامتثلت أمره لما له علي من اليد البيضاء.»
18
وأذعن الشيخ فعلا لمشورة صديقه، فزين وجه الدفتر بكتابين قيمين سجل فيهما مشاهداته في دارفور وواداي، وسمى الكتاب الأول «تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان»، وضمنه رحلته إلى دارفور، وسمى الكتاب الثاني «الرحلة إلى واداي»، وقد قام الدكتور «برون» بنشر النص العربي للرحلة الأولى في باريس سنة 1850، ثم ترجمها إلى الفرنسية ونشر الترجمة في باريس سنة 1855 تحت عنوان
Voyage au Darfour ، أما النص العربي لرحلة واداي فلم ينشر، وإنما نشرت ترجمته الفرنسية التي قام بها «برون» في باريس سنة 1851 تحت عنوان:
Voyage au Ouaday
والكتابان من أحسن المراجع التي وصفت السودان في النصف الأول من القرن التاسع عشر.