225
وكثيرا ما كان إبراهيم باشا يشير - وهو في ميدان الجهاد في الشام - بترجمة بعض الكتب الحربية أو التاريخية، وإرسال نسخ منها إليه ليستعين بها على تدريب جنوده وضباطه وتثقيفهم، يؤيد هذا كثير من الأوامر المحفوظة في وثائق عابدين؛ ففي 5 جمادى الآخرة سنة 1248 أرسل إبراهيم باشا إلى سامي بك يرجوه إرسال بعض ما طبع في مصر في الفنون والتمرينات العسكرية
226
فكتب إليه محمد علي باشا في الثاني والعشرين من نفس الشهر يفيده بأنه أصدر أمره إلى محمود بك «كي يرسل النسخ المطلوبة من قانون تعليم المشاة وغيره».
227
وفي 21 رمضان سنة 1248 كتب إبراهيم باشا إلى والده يخبره أن مختار أفندي الدويدار كان قد ترجم «وصايا فريدريك الأكبر إلى قواده، وهو في باريس ويقترح الموافقة على طبعها
228
ومن العجيب أن هذا الكتاب كان واحدا من الكتب الأولى التي ترجمت في عصر محمد علي؛ فقد ترجمه عن الفرنسية إلى التركية «شاني زاده محمد عطاء الله».
229
في سنة 1220، وأمر محمد علي بطبعه فطبع في مطبعة بولاق بعيد إنشائها، وليس في مقدمته أو خاتمته ما يبين السنة التي طبع فيها، ولكنني أرجح أنه طبع حوالي سنة 1822 أو 1823، ويؤيد هذا الترجيح طبعه الرديء، وحروفه المعتلة الشبيهة بحروف الكتب الأولى التي طبعت في بولاق، كالقاموس الإيطالي العربي وصناعة صباغة الحرير؛ لهذا كتب محمد علي إلى ابنه في 8 شوال
230
يخبره بأن هذا الكتاب سبق أن ترجم وطبع.
وفي ذي الحجة سنة 1250 أرسل إبراهيم باشا إلى وكيل الجهادية يستصوب «ترجمة الكتاب الفرنسي الخاص بنظامات وترقيات العساكر»
231
فبادر محمد علي باشا وأصدر أمره إلى سليمان باشا الفرنساوي «بأنه لكون ترجمة هذا الكتاب من الأمور المهمة المستعجلة يلزم جمع التراجمة، وحل حبكته، وإعطاء كل مترجم كراسا منه لسهولة ترجمته في أقرب وقت.»
231
وفي 7 شوال سنة 1251 أرسل إبراهيم باشا إلى سامي بك يشير بترجمة كتاب فرنسي آخر في المناورات الطوبجية والسواري والبيادة.
232
الصفحة الأخيرة من كتاب «وصايا نامه سفرية»
أي وصايا فردريك الأكبر الحربية لقواده، ترجمها شاني زاده محمد عطاء الله. وهو من أوائل الكتب التي طبعت في بولاق.
وهكذا كان يتنافس الرجلان: الأب والابن في التقاط الكتب الحربية، والأمر بترجمتها لتتبع تعاليمها في إنشاء الجيش الجديد وتنظيمه حتى يصل إلى مستوى الجيوش الأوروبية الحديثة، وقد ظلت هذه الأوامر تصدر من الرجلين حتى عهد متأخر؛ ففي 17 جمادى الآخرة سنة 1256 صدر أمر من محمد علي إلى باقي بك «بترجمة رسم محاربة نابليون من الفرنساوي للعربي بنفسه»
233
وفي نفس اليوم أصدر أمرا آخر إلى كاني بك بترجمة التقرير المرفق بالرسم السابق إلى اللغة التركية، وأن يترجمه «بنفسه دون أن يأمر أحدا بترجمته»
234
والرسم والتقرير من وضع المسيو «بون قور».
هذه لمحة سريعة لما كان يتبع في ترجمة الكتب الحربية، ولبعض جهود كاني بك في هذا الميدان، وقد كان كاني مقربا إلى إبراهيم باشا محبوبا منه؛ ولهذا لم يكد يعهد إليه بولاية مصر في 24 شوال سنة 1264 - عندما اشتد المرض بوالده - حتى أصدر أمره في 26 ذي القعدة من نفس السنة بإعادة تنظيم قلم الترجمة الملحق بالألسن، وقسمه إلى قسمين: قسم يعنى بالترجمة إلى اللغة التركية وناظره كاني بك، وقسم يعنى بالترجمة إلى اللغة العربية وناظره رفاعة بك، وجعل الرئاسة العليا للقلم لكاني بك؛ ففي التاريخ السابق نشرت الوقائع المصرية القرار الآتي: «لما كانت ترجمة الكتب المرغوبة التي تشتمل على القوانين والتراتيب والآداب وسائر العلوم والفنون النافعة من اللغة الفرنساوية إلى التركية والعربية، وطبعها ونشرها وسيلة عظمى لتكثير المعلومات المقتضبة، وقضية مسلمة عند أولي النهى، وكان حصول ذلك لا يتأتى إلا بوجود المترجمين البارعين في ألسنة الإفرنجي والتركي والعربي، واجتماعهم في محل واحد، وقسمهم إلى قلمي ترجمة وضمهم إلى نظارة حضرة أمير اللواء كاني بك وكيل ديوان التفتيش، الفريد في فن الترجمة، المشهور بالسلاسة والبلاغة، حصل فتح القلمين كما ذكر، وقد تعين حضرة رفاعة بك أميرالاي الذي كان ناظر مدرسة الألسن التابعة إلى ديوان المدارس ناظرا على قلم الترجمة العربي في معية حضرة الأمير المومى إليه.»