تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

186

قضى رفاعة في السودان نحو ثلاث سنوات قاسى فيها الأمرين، لا كرها في السودان، فهو القائل على لسان مصر والسودان:

نحن غصنان ضمنا عاطف الوج

د جميعا في الحب ضم النطاق

في جبين الزمان منك ومني

غرة كوكبية الانفلاق

إنما آلمه في السودان شعوره بأنه منفي، وتألمه لما أصاب معظم زملائه من مرض ووفاة، وخاصة بيومي أفندي صديقه في باريس ومصر، ووفيه في الجهاد العلمي، وصاحبه في السراء والضراء، يؤيد هذا قوله في قصيدته السابق الإشارة إليها:

وحسبي فتكها بنصيف صحبي

كأن وظيفتي لبس الحداد

187

ومع ذلك فقد تذرع هناك بالصبر والإيمان، وقام بواجبه في مدرسة الخرطوم خير قيام، وتخرج على يديه بعض أبناء مصر والسودان، وقد بث شكواه في قصائد كثيرة تعد من أجمل ما قال من شعر، ولم ينس أخيرا عمله الذي أحبه وأخلص له، وهو الترجمة، فشغل وقت فراغه بترجمة قصة «تليماك»،

188

وقد أشار في مقدمتها إلى ما كان يحس - وهو في منفاه - من ألم ممض، وكيف استعان على تحمل هذا الألم باشتغاله بترجمة هذا الكتاب، قال: «وإنما فقط لما توجهت بالقضاء والقدر إلى بلاد السودان، وليس فيما قضاه الله مفر أقمت برهة خامد الهمة، جامد القريحة في هذه الملمة، حتى كاد يتلفني سعير الإقليم الفائر بحره وسمومه، ويبلعني فيل السودان الكاسر بخرطومه، فما تسليت إلا بتعريب «تليماك»، وتقريب الرجاء بدور الأفلاك.»

هذا هو مجهود رفاعة في الترجمة حتى عهد إقامته في السودان، وله مجهود آخر في نفس الميدان

189

وفي ميادين علمية أخرى بعد عودته في عهدي سعيد وإسماعيل، لا نرى المجال هنا مناسبا للحديث عنها لخروجه عن موضوع بحثنا الذي جعلنا حدوده آخر عهد محمد علي باشا.

غير أننا لا نستطيع أن نختم هذا الموضوع دون أن نشير إلى نقطة أخيرة تحتاج إلى المناقشة؛ وذلك أننا أحصينا فيما سبق جهود رفاعة في الترجمة، غير أنه أشار في بعض شعره الذي قاله في السودان إلى أنه ترجم عن «مونتسكيو»، فقال:

على عدد التواتر معرباتي

تفي بفنون سلم أو جهاد

وملطبرون يشهد وهو عدل

ومنتسكو يقر بلا تمادي

190

فهذه إشارة واضحة، أكدها بعد وفاته الشيخ محمود كشك الطهطاوي، الذي أشرف على تصحيح الطبعة الثانية من كتاب «مناهج الألباب»؛ فقد أشار في آخره بجهد محمد بك رفاعة (حفيد رفاعة بك)، وسعيه لنشر هذا الكتاب، وأشار إلى أن همته لم تقف عند إنجاز طبع هذا الأثر، بل عزم حضرته على إحياء باقي الكتب التي ترجمها جده عن الفرنساوية إلى العربية؛ كرواية «تلماك» الشهيرة وترجمة «ملطبرون» وترجمة «منتسكو» وغير ذلك ... إلخ.

وأورد بعد ذلك صورة خطاب كتبه الشيخ عبد الكريم سلمان إلى حفيد رفاعة بتاريخ 16جمادى الأولى سنة 1330، قال فيه: «فاجعل كتابي هذا غير قاصر على تقريظ عملك الجديد المفيد، ومده إلى إيجاد ذينك السفرين.» (ترجمة ملطبرون وترجمة مونتسكيو).

ولقد رويت عن عمك الأعز رحمه الله أن والده الأكرم، أكرم الله مثواه ترجمهما، وأن نسختهما موجودة، وأسمعني ما بقيت حافظه إلى الآن مما يبرهن على أنه طيب الله ثراه ترجمهما، وهو:

وملطبرون يشهد وهو حبر

ومنتسكو يقول ولا يماري

وعلق على هذا الخطاب بقوله: «ونحن نزف البشرى إلى الجمهور بوجود أصول هذين الكتابين في خزانة كتب المؤلف، وتعويل حضرة حفيده الأكرم على طبعهما إجابة لطلب فضيلة الأستاذ، وحبا في تعميم النفع لأبناء العصر.»

191

وغاية ما نستطيع أن نقول إننا رجعنا إلى ثبت ما ترجم رفاعة من كتب في عهدي محمد علي وإسماعيل فلم نجد من بينها كتابا لمونتسكيو، وكل ما نعرفه أنه قرأ كتبه وهو في باريس، وتأثر بها كثيرا في بعض كتبه، وخاصة كتاب «مناهج الألباب المصرية»، فهو متأثر فيه بكتاب مونتسكيو «روح الشرائع»، كذلك لم يترجم تلاميذه في مدرسة الألسن من كتب «مونتسكيو» إلا كتاب «برهان البيان وبيان البرهان في استكمال واختلال دولة الرومان»؛ فقد ترجمه حسن أفندي الجبيلي، وكانت الترجمة تحت إشراف رفاعة؛ فقد قال المترجم في مقدمته: «ولم أغفل عن مراجعة الفاضل اللبيب، والكامل الأريب، الدقيق فهمه، الكثير علمه، سيدي رفاعة أفندي في حل بعض مشكلاته، وفك ما عسر علي فهمه من معضلاته.»

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٧٤