تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم ينته من ترجمته إلا في الثاني عشر من ربيع الآخر سنة 1290 بعيد وفاة أستاذه رفاعة، وتم طبع الكتاب بعد ثلاث سنوات في ذي القعدة سنة 1293.

لم يبق إذن إلا أن يكون رفاعة قد ترجم حقا بعض كتب «مونتسكيو»، وأجزاء أخرى من جغرافية «ملطبرون» - غير التي طبعت - وأن مسودات هذه الكتب ما تزال مخطوطة في مكتبته.

كانت مدرسة الألسن منذ إنشائها ترمي إلى تحقيق غرضين اثنين: (أ)

إعداد مترجمين في مختلف الفنون والعلوم. (ب)

إعداد مدرسين للغة الفرنسية في المدارس التجهيزية والخصوصية.

وقد حققت المدرسة هذين الغرضين بهمة رفاعة التي لا تعرف الملل، وجهده المتصل، وملأت مصر والمدارس بالمترجمين والمدرسين، وقد ذكر صالح مجدي بك في كتابه «حلية الزمن» أسماء النابهين الذين نبغوا من تلاميذ رفاعة في مدرسة الألسن، وعدة هؤلاء سبعة وستون، وذكر المستر «دن»

192

أن المدرسة خرجت في مدى عشر سنوات نحو سبعين مترجما. ويبدو لي أن خريجي الألسن منذ سنة 1255 (وهي السنة التي تخرجت فيها الدفعة الأولى) إلى سنة 1265 (وهي السنة التي توفي فيها محمد علي) كانوا يبلغون نحو المائة؛ فقد ذكر أبو السعود أفندي أحد خريجي المدرسة وتلاميذ رفاعة، أن المدرسة كان «يخرج منها كل عام عشرة».

193

وقد قدر خريج آخر من خريجي المدرسة - محمد قدري باشا

194 - الكتب التي ترجمها خريجو الألسن - ما طبع منها وما لم يطبع - بنحو ألفي كتاب.

ومهما كان عدد الخريجين، أو عدد الكتب التي ترجمت، فقد أشاع رفاعة في هذا الرعيل قبسا من روحه، ونفحة من نشاطه، فكانوا أركان النهضة في عهد محمد علي، ثم كانوا القائمين على إحيائها، والإشراف عليها في عهد إسماعيل، وقد أجمل رفاعة القول في جهده وجهودهم في مقدمته لقصة تليماك، قال: «قد تقلدت بعناية الحكومة المصرية، الفائقة على سائر الأمصار، في عصر المدة المحمدية العلوية السامي على سائر الأعصار، بوظيفة تربية التلاميذ مدة مديدة، وسنين عديدة، نظارة وتعليما، وتعديلا وتقويما، وترتيبا وتنظيما، وتخرج من نظارات تعليمي من المتقنين رجال لهم في مضمار السبق، وميدان المعارف وسيع مجال، وفي صناعة النثر والنظم أبهر بديهة وأبهى روية وأزهى ارتجال، وحماة صفوف لا يبارون في نضال ولا سجال، وعربت لتعليمهم من الفرنساوية المؤلفات الجمة، وصححت لهم مترجمات الكتب المهمة، من كل كتاب عظيم المنافع، وتوفق حسن تمثيلها في مطبعة الحكومة وطبعها، ومالت طباع الجميع إلى مطبوع ذوقها وطبعها، وسارت بها الركبان في سائر البلدان، وحدا بها الحادي، في كل واد، وقصدها القصاد كأنها قصائد حسان، وكان زمني إلى ذلك مصروفا، وديدني بذلك معروفا، مجاراة لأمير الزمن (يقصد محمد علي)، على تحسين حال الوطن، الذي حبه من شعب الإيمان ...» إلخ.

ووصف علي مبارك خريجي الألسن بأنهم كانوا «جميعهم في الإنشاءات نظما ونثرا أطروفة مصرهم، وتحفة عصرهم.»

195

وقد أخذ رفاعة تلاميذه في الألسن بما أخذ هو به نفسه - وهو يتلقى العلم في باريس - أي أنه أخذهم: أولا: بالجد والنشاط في التحصيل منذ اللحظة الأولى، فكان «لا يقف في اليوم والليلة على وقت محدود، وربما عقد الدرس للتلامذة بعد العشاء، أو عند ثلث الليل الأخير، ومكث نحو ثلاث أو أربع ساعات على قدميه في درس اللغة أو فنون الإدارة والشرائع الإسلامية، والقوانين الأجنبية، إلخ.»

195

وبهذا استطاع أن يعهد لبعض النابغين من تلاميذه بترجمة الكتب في السنوات الأولى من إنشاء المدرسة، ومن عجب أن نرى بعض الكتب قد ترجمت وطبعت قبل أن تخرج المدرسة دفعتها الأولى؛ ففي سنة 1252 - أي بعد إنشاء المدرسة بسنة واحدة - ظهر كتاب تاريخ الفلاسفة اليونانيين مترجما بقلم عبد الله أفندي حسين الذي يقول في مقدمته: «وكنت وقت ترجمته بمدرسة الألسنة بالأزبكية»، أي كان لا يزال تلميذا بها.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٧٥