تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

181

أما الدكتور عزت عبد الكريم فيرى أن هناك احتمالين لإبعاد رفاعة إلى السودان، أولهما سعي علي مبارك، الذي عاد من أوروبا مليئا بالأطماع، والذي كان يحقد علي رفاعة ما أصاب من مكانة، وقد قرب عباس إليه علي مبارك وأبعد رفاعة إلى السودان، فلما خلفه سعيد قرب إليه رفاعة، وأبعد علي مبارك إلى القرم

182

والثاني ما يحتمل أن يكون رفاعة قد لقيه معارضة بعض المشايخ المتعصبين الذين ربما عدوه متطفلا على ميدانهم في دراسة الشريعة والفقه.

182

وهذه كلها تفسيرات احتمالية أو اجتهادية تفتقر إلى سند تاريخي مادي، وأصدق منها - في نظري - ما ذكره رفاعة نفسه من أنه سافر إلى السودان بسعي بعض الأمراء بضمير مستتر بوسيلة نظارة مدرسة بالخرطوم

183

وإن كان لم يذكر أسماء هؤلاء الأمراء، أو ماهية الوشاية التي وشوا بها ضده.

غير أنه عاد فأشار إليهم وإليها في إيضاح مستتر في قصيدة نظمها وهو في السودان مستغيثا مما هو فيه بحسن باشا - كتخذا مصر - قال فيها:

وما خلت العزيز يريد ذلي

ولا يصغي لأخصام لداد

لديه سعوا بألسنة حداد

فكيف صغى لألسنة حداد

مهازيل الفضائل خادعوني

وهل في حربهم يكبو جوادي

وزخرف قولهم إذ موهوه

على تزييفه نادى المنادي

فهل من صيرف المعنى بصير

صحيح الانتقاء والانتقاد

قياس مدارسي قالوا عقيم

بمصر فما النتيجة في بعادي

184 ... إلخ.

ويقول الأستاذ أحمد أمين بك: «وكان الشيخ ماكرا؛ فقد وضع القصيدة على وزن وقافية:

لقد أسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي»

185

ومهما تكن الأسباب الحقيقة فإن عباسا قد أوعز في شهر رجب سنة 1266 إلى المجلس المخصوص برغبته، واقترح هذا المجلس أن تؤسس مدرسة بالأقاليم السودانية إنقاذا لأولاد أهلها، والمستوطنين بها من جحيم الجهل، وأن يقوم على تأسيسها ونظارتها رفاعة بك، وأن يشترك معه في التدريس علم من أعلام النهضة العلمية التعليمية في عصر محمد علي وهو محمد أفندي بيومي أستاذ الرياضيات في المهندسخانة ورئيس أحد أقلام غرفة الترجمة، وأنه من الجميل حقا أن نسجل لحكومة عباس أنها أول من فكرت في إنشاء مدرسة مصرية في ربوع السودان، لو أنه كان خالص النية، صادق الرغبة في خدمة السودان وأبنائه، ولكنه لم يكن كذلك، وإلا فإن إنشاء مدرسة ابتدائية في الخرطوم لم يكن يستلزم أن يشرف عليها، ويقوم بالتدريس فيها كبيرا رجال النهضة العلمية في مصر؛ رفاعة وبيومي، ومع هذا فإن قرار المجلس المخصوص أخفى الأسباب الحقيقية، وأظهر لنا الغرض من إنشاء المدرسة في صورة أخاذة براقة؛ فقد ذكر في هذا القرار أنه «لما كانت الأقاليم السودانية من البلاد الجسيمة، ولما لم يكن قد أنشئت في تلك الديار المتسعة مدرسة يربى فيها أولاد مشايخها، وغيرهم من أهلها، وأولاد الأتراك الذين ذهبوا إلى تلك الديار، وتوطنوا بها منذ أعوام خلت، وكذلك أحفادهم ليتعلموا فيها الفنون والقراءة والكتابة فيزدادوا ثقافة وفطنة، ولما كان المجلس المخصوص قد تشاور في جلسته التي عقدها أخيرا، فقرر أمر إنشاء مدرسة بتلك البلاد بغية إنقاذ أولادها من ظلمات الجهل، وتنويرهم بأنوار المعارف بمقتضى مراحم الذات الخديوية، والمكارم السنية التي شملت جميع الرعايا والبرايا، قد قر الرأي أن تفتح هذه المدرسة في عاصمة الخرطوم، وأن يكون نظامها موافقا لأصول المدارس المصرية، وعلى نمط ترتيب مدرستي المبتديان والتجهيزية، وأن يقبل ويسجل فيها نحو مائتين وخمسين غلاما من المشايخ، والأهلين القاطنين بدنقلة، والخرطوم، وسنار، وتاكة وملحقاتها، وكذلك من أولاد الأتراك الذين توطنوا بتلك الديار وأحفادهم، هذا ويولى عليها ناظر ملم بأصول المدارس؛ ليتمكن من ترتيبها كما ينبغي، وتنظيمها على أحسن وجه، فاستحسن المجلس اختيار أمير الآلاي رفاعة بك الذي بديوان المدارس ناظرا للمدرسة المذكورة وإرساله إلى تلك الديار، وانتخاب المعلمين الذين تحتاج إليهم تلك المدرسة برأي البك المشار إليه.» إلخ.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٧٣