174
قام رفاعة بهذه الجهود الشاقة خير قيام، وبذل لها كل وقته وتفكيره، وكان يدفعه إلى الإخلاص في عمله والتفاني في أداء واجبه وازع قوي من ضميره الحي، وحب لوطنه وبنيه، وتشجيع مستمر من «ولي النعم» محمد علي باشا وأولاده؛ ففي سنة 1260 أنعم على رفاعة برتبة القائمقام، وفي 14 ذي الحجة 1263 أنعم عليه برتبة أميرالاي
175
لمناسبة انتهائه من ترجمة مجلد آخر من جغرافية ملطبرون،
176
وبهذا الإنعام الأخير أصبح يدعى رفاعة بك، بعد أن كان يدعى فيما مضى بالشيخ رفاعة، ورفاعة أفندي.
وقد أنعم عليه محمد علي بمائتين وخمسين فدانا، وأقطعه إبراهيم باشا «حديقة نادرة المثال في الخانقاه تبلغ ستة وثلاثين فدانا»،
177
وأنعم عليه سيد باشا بمائتي فدان، وإسماعيل باشا بمائتين وخمسين فدانا.
وفي 13 ذي الحجة سنة 1264 / 10 نوفمبر 1848 توفي إبراهيم باشا، وفي 27 من نفس الشهر تولى عرش مصر عباس باشا الأول، وكان محمد علي لا يزال حيا يعاني من مرضه الأخير، فلم يجرؤ عباس على تغيير ما يريد تغييره من الأوضاع القديمة، وفي 12 رمضان سنة 1265 / 2 أغسطس 1849 انتقل محمد علي إلى الرفيق الأعلى، فاستقل عباس بالأمر.
ولم يكن عباس كجده وعمه، بل لعله كان على النقيض منهما؛ ولهذا يكاد يجمع مؤرخو عصره على وصفه بالجمود والرجعية؛ فالرافعي يرى أنه كان «قبل ولايته الحكم، وبعد أن تولاه خلوا من المزايا والصفات التي تجعل منه ملكا عظيما يضطلع بأعباء الحكم ويسلك بالبلاد سبيل التقدم والنهضة ... وبالجملة فلم تكن له ميزة تلفت الأنظار سوى أنه حفيد رجل عظيم أسس ملكا كبيرا، فصار إليه هذا الملك دون أن تئول إليه مواهب مؤسسه، فكان شأنه شأن الوارث لتركة ضخمة جمعها مورثه بكفاءته وحسن تدبيره، وتركها لمن هو خلو من المواهب والمزايا.»
178
ويرى المؤرخ الإيطالي «ساماركو
Sammarco » أن أظهر ما تتسم به حكومة «عباس عداؤه الوحشي للحضارة الأوروبية، وكرهه العنيف لجميع الأعمال التي كونت مجد جده، والتي بذل هو كل الجهد في تحطيمها شيئا فشيئا».
179
ويرى الدكتور عزت عبد الكريم أن عباسا: «أظهر منذ تولى الحكم في مصر أنه لن يكون الحاكم الذي يتابع سياسة جده، ويحنو على مؤسساته، ويؤيد نظمه،
180
وأن سيرته في الإصلاح الداخلي كانت فشلا متصلا، ولا يشفع له في ذلك أن حكمه كان قصيرا».
180
والسبب الأساسي لهذا كله في نظره يرجع إلى أن «سياسة عباس قامت على تسفيه الجهود التي بذلها محمد علي وإبراهيم في ميدان الإصلاح الداخلي، والسياسة التي اعتقد أنهما كانا يتمسكان بها، ويدعوان إليها في تقرير علاقات مصر بالدولة العثمانية، والدول الأوروبية».
180
فإذا فهمنا سياسة عباس الأول على هذا الأساس لم يكن من العسير إذن أن نفهم لم أقفلت معظم المدارس الخصوصية في أول عهده، وكانت مدرسة الألسن أول مدرسة ألغيت؛ وذلك أن مؤسسها وناظرها كان من المقربين لمحمد علي وإبراهيم الحائزين لثقتهما؛ لهذا نشأ بين عباس ورفاعة نوع من الكراهية وسوء التفاهم، لم يوضح رفاعة نفسه، ولم يوضح المؤرخون المعاصرون أسبابه الحقيقة مما دعا المؤرخين المحدثين إلى أن يذهبوا في تفسيره مذاهب شتى؛ فالأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك يرى أن لكتاب رفاعة «تخليص الإبريز» سببا يتصل بنفيه؛ إذ لا يخفى أنه طبع للمرة الثانية سنة 1265، أي في أوائل عهد عباس باشا، والكتاب يحوي آراء ومبادئ لا يرغب فيها الحاكم المستبد، وعباس باشا الأول كان في طبعه مستبدا غشوما، فلا بد أن الوشاة قد لفتوا نظره إلى ما في كتاب رفاعة بك مما لا يروق لعباس، فرأى أن يبعده إلى الخرطوم ليكون السودان منفى له، ولا غرابة في ذلك، فلو أن هذا الكتاب ظهر في تركيا على عهد السلطان عبد الحميد لكان من المحقق أن يكون سببا في هلاك صاحبه، فمن الجائز أن يكون عباس باشا قد رأى نفي رفاعة، وأمثال رفاعة إلى السودان، ليبعدهم، ويبعد أفكارهم وثقافتهم عن مصر ، واتخذ لنفيهم صورة ظاهرة وهي إنشاء مدرسة بالخرطوم.