تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكر رفاعة في خاتمة الكتاب أنه أتم ترجمته في يوم الاثنين من العشر الأوائل من جمادى الآخرة سنة 1245 - أي وهو في باريس - وأنه تم طبعا في بولاق في غرة شعبان سنة 1249.

157

ولم يذكر رفاعة - في المقدمة أو الخاتمة - اسم مؤلف الكتاب، وقد رجح مسيو بيانكي

Bainchi

أنه من تأليف

Depping ؛ فقد قال عند ذكر هذا الكتاب في قائمته

Ceci, est, je pense, l’ouvrage de Depping, intitulé: “Mœurs et usage des nations” .

وقد أكد رفاعة هذا الترجيح؛ فقد أورد في رحلته ترجمة رسالة وصلته قبيل عودته إلى مصر من المستشرق الفرنسي مسيو «رينو

Reinaud » جاء فيها «... قد حملني مسيو «دبنغ» أن أسأل عن ترجمتك لكتاب العلوم الصغيرة المشتمل على أخلاق الأمم وعوائدهم وآدابهم؛ لأن مسيو «دبنغ» مؤلف هذا الكتاب، فإذا كانت ترجمتك تنطبع في مصر، هل يتيسر لمؤلف الأصل أن يقيد اسمه لتحصيل عدة نسخ من هذا الكتاب بالشراء ...»

158

وهكذا كان رفاعة بعد عودته، كما كان قبل عودته دائم العمل دائب النشاط؛ فقد استطاع في السنوات الثلاث التي تلت عودته أن يراجع كتبا مترجمة في الطب والجغرافية، وقدم للمطبعة كتابين مما ترجم في باريس، أحدهما في علم المعادن، والثاني في علم الاجتماع، وترجم كتابين جديدين طبعا أيضا في بولاق، أولهما في الهندسة، وثانيهما في الجغرافية، واستطاع بعد هذا كله أن يوفق لفتح مدرسة صغيرة تولى وحده فيها تدريس علمي التاريخ والجغرافيا.

وفي أوائل سنة 1250 ظهر في مصر مرض الطاعون، وانتشر في القاهرة وكثير من البلدان الأخرى فطلب رفاعة إجازة وسافر إلى بلده طهطا، ولبث هناك نحو ستة أشهر، زار في خلالها الأهل والأقارب، ولكنه لم ينعم في خلالها بالراحة، بل حمل معه الجزء الأول من جغرافية ملطبرون

Malte Brun

وكان قد بدأ فترجم منه صفحات وهو في باريس، فأكمل ترجمة الجزء الأول كله، يقول في المقدمة: «وكان ذلك في نحو سبعة أشهر مع تراكم غيره من الأشغال علي؛ من ترجمة هندسة، أو طبع ما كان وقت تعريبه بين يدي.» ويتضح من مقدمة هذا الجزء أن رفاعة عرض على محمد علي رغبته في ترجمة هذا الكتاب، فطلب منه الباشا أن يترجم هذا الجزء في مدة لا تزيد عن هذه الشهور السبعة؛ ولهذا بذل رفاعة الجهد كل الجهد ليفي بوعده، وقد فعل؛ وذلك «قصدا لكسب رضاء ولي النعم الأكرم، الذي أمر بترجمته في نحو هذا الزمن وحتم ».

159

وقد عاونه في تبييض الكتاب وتحريره أثناء الترجمة الشيخ محمد هدهد الطنتدائي؛ «فقام بواجبات هذه الوظيفة وزيادة من غير ارتياب، وربما تصرف بعد مشاورتي في بعض عبارات، وأشار علي بتغيير ما يظن أنه يعسر فهمه على من لم يسبق له في هذا الفن علمه، فأجبته حيث قام عندي على صحة ذلك أمارات ... إلخ.»

160

تقدم رفاعة بهذا الجزء من الجغرافيا العمومية إلى محمد علي، فحاز الكتاب القبول وحاز رفاعة الرضاء؛ فقد كان محمد علي معنيا منذ بدأت حرب الشام الأولى بالكتب والمنشورات الجغرافية، يريد أن يعرف - وهو يبني ملكه الجديد - أين هو من الشرق القديم المنحل، وأين هو من الغرب الجديد الناهض، وفي الوثائق المعاصرة شواهد كثيرة على هذه العناية؛ فقد كتب سامي بك إلى الديوان الخديوي في 12 جمادى الأولى سنة 1248 يخبره برغبة الجناب العالي في الاطلاع على خرائط الشام والأناضول، وبوجوب استدعاء أرتين أفندي للتفتيش على هذه الخرائط في خزينة الأمتعة، أو في خزينة القصر العيني، أو في أي محل آخر.

161

وبعد عشرة أيام من هذا الخطاب (22 جمادى الأولى) صدر أمر من محمد علي إلى حبيب أفندي أشار فيه إلى أنه سبق أن طلب منه «خرائط رسم عن بر الشام والأناضول، وأنه علم مما ورد منه عدم وجود ذلك.» وأشار في هذا الأمر إلى أنه متذكر وجود أطلس فلمنك، وآخر فرنساوي به رسم جميع الكرة الأرضية، فيجري البحث عن هذين الكتابين بخزينة الأمتعة أو بمحل وجودها، وإرسالها لطرفه متى وجدت.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٦٩