154
فلعله رفع - وهو يدرس الجغرافيا بمدرسة طرة - إلى محمد علي باشا، أو إلى مشورة الجهادية اقتراحه بأن ينشئ مدرسة لتدريس هذين العلمين وترجمتهما، ولعل المشورة وافقت على إنشاء هذا الفصل كتجربة، فإذا تبين نجاحه أكملته، وزادت في اختصاصه. يقول رفاعة في مقدمة «التعريبات الشافية» موضحا لهذه الفكرة، وداعيا لها، ومبينا للغرض من ترجمة هذا الكتاب، وطريقة ترجمته: «... لما سمحت مشورة الجهادية، ذات الآراء السنية الذكية، أن أفتح لفنون الجغرافيا والتاريخ مدرسة تكون على قراءة هذه العلوم مؤسسة، لتشتهر ثمراتها الزاهرة، في أيالات أفندينا الفاخرة العامرة، فإن ذلك مما تدعو الحاجة إليه ويتأكد العمل به والوقوف عليه، لا سيما لأرباب الدولة والسياسة المدنية، وأصحاب التدبير والإدارة الملكية، وأصول أهل المناصب وضباط الطوائف العسكرية، وكامل ذوي الصنايع والحرف والمهمات التجارية، فكل من تأمل فيها وعرف، رقي فيها إلى أعلى مراتب الفضل والشرف، على أن كثيرا منها ما تبنى عليه أحكام شرعية، وحكم وآداب عرفية وقوانين بين سائر ملوك البرية، فهو لمثل هذا الغرض، يعد عند أرباب الصناعة من المفترض، أخذت عدة تلامذة لهذا المعنى الممدوح، وتوجهت بالقلب والقالب لتعليمهم بصدر مشروح، وليس بيدي من كتب الجغرافيا شيء باللغة العربية يحتوي على التفصيل والترتيب على نسق ما في الكتب الإفرنجية؛ فلهذا اعتمدت كتابا موجزا في هذا الفن النفيس، موضوعا لمدارس مبادئ العلوم بمدينة باريس، وشرعت في ترجمته درسا بعد درس لهذا القصد حتى لا يضيع السعي ولا يخيب الجد، ولما رأيت أن مؤلفه أطنب في أوروبا لكونها وطنه، وأوجز في غيرها حيث لم تكن داره ولا سكنه، فبهذا الوصف لا يكون لنا كافيا، ولا لغليل المتطلعين إليه شافيا، وكنت أطلعت على غيره من كتب العلوم الجغرافية، ومارست كثيرا منها، وراعيتها حق رعايتها مدة إقامتي بمملكة الفرنساوية، أردت أن أتم المرام بتخليص ما يناسب المقام، حتى تحصل الموازاة والموازنة، والمعادلة والمقارنة ...» إلى أن قال: «وإن شاء الله يترجم من اللغة العربية إلى اللغة التركية؛ حتى تكون ثمرته عامة جلية، وأسأله تعالى أن يجعله من المؤلفات المطلوبة والمصنفات المرغوبة في سائر مدارس أفندينا الناجحة ... إلخ.»
155
ولعل الأمر الصادر من محمد علي في 5 ذي الحجة سنة 1249 «بطبع ألف نسخة من كتاب الجغرافيا المترجم عن الفرنسية للعربية بمعرفة الشيخ رفاعة»، خاص بذلك الكتاب؛ فقد تم طبعه في سنة 1250، وهو أول ما ترجم من الكتب الجغرافية، وقد أشير في نفس الأمر إلى طبع «ألف نسخة من الأطلس بعد إتمام ترجمته بمعرفة المذكور»؛ وذلك «لما في هذين الكتابين من المنفعة الكلية التي تعود على تلامذة المدارس»، غير أنني لم أعثر في فهارس الكتب العربية المطبوعة على أثر لهذا الأطلس،
156
فلعله لم يتم ترجمة، أو لعله ترجم ولم يطبع.
انتهى رفاعة من ترجمة هذا الكتاب في الشهر الأخير من سنة 1249، ثم أسلمه للمطبعة في أوائل 1250، فطبع، وكان قد قدم للمطبعة في هذه السنوات الثلاث التي مرت منذ عودته من فرنسا (1246-1249) كتابين مما ترجم وهو في باريس، وهما: (1)
كتاب المعادن النافعة، تأليف «فرارد»، وهو رسالة صغيرة في 47 صفحة من القطع المتوسط، ذكر رفاعة في خاتمته أنه ترجمه «بمشورة جناب مسيو جومار، ناظر الأفندية بباريس، ومحب الديار المصرية وعزيزها ولي النعم»، وقد تم طبع هذا الكتاب في بولاق في شوال سنة 1248. (2) «قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر» وهو رسالة صغيرة أيضا تقع في 112صفحة من القطع المتوسط، ذكر رفاعة أنه ترجمها إجابة لطلب المسيو «جومار»؛ فقد قال في مقدمته ص53: «قد اشتهر بين الخاص والعام أن طائفة الإفرنج قد امتازت الآن بين الطوائف بالتجارات والمخالطة لسائر البلاد، بل لقد اتخذت معرفة البلاد وأحوالها سببا، وانتخبت بذلك نخبا، فاتسعت معارفها في الجغرافيا والميقات، ولا زالت في الزيادة في العلوم على سائر الأوقات، فلا سبيل حينئذ في معرفة أحوال البلدان والخلائق إلا بنقلها عمن حققها من الإفرنج، ولا شك أن من أعلم الإفرنج وأحكمهم طائفة الإفرنسيس؛ فإنها الآن بلاد الفنون والمصانع من غير شك وتلبيس، ولما كان للفقير معرفة هذه اللغة، وفيه ملكة مطالعة عظيم كتبها وتمييز الغث من الثمين، طلب مني الخواجة «جومار» مدير تعليم الأفندية المصريين المبعوثين من طرف حضرة ولي النعمة إلى باريس كرسي الفرنسيس أن أترجم إلى العربية كتابا لطيفا يسمى بما معناه ديوان قلائد المفاخر ... إلخ. فأجبته لذلك علما بأنه نصوح في محبة أفندينا ولي النعم، ومحب لبلاد مصر كأنها وطنه ... ولما كان هذا الكتاب غير مقصور على مجرد نقل العوائد، بل هو مشتمل على استحسان واستقباح بعضها، أشار علي مدير التعليم المذكور أن أحذف ما يذكره مؤلف الكتاب من الحط والتشنيع على بعض العوائد الإسلامية، أو مما لا ثمرة لذكره في هذا الكتاب ... إلخ.»