151
الذي طبع في سنة 1249.
أما علم الجغرافيا، وهو العلم الحبيب إلى رفاعة منذ كان يتلقى العلم في باريس؛ فقد كان علما هاما وضروريا لتلاميذ المدارس الحربية، ولم يكن في متناول أيديهم حتى ذلك الحين كتاب واحد في هذا العلم باللغة العربية أو التركية، فأشار «سكورابيك»
Don Antoni de Seguera
ناظر المدرسة بأن يعيد طبع كتاب «الكنز المختار في كشف الأراضي والبحار»، وهو كتاب جغرافي صغير سبق أن طبع في مالطة، غير أن رفاعة وجد أن عبارة الكتاب «مالطية وحشية»، فأعاد تصحيحها وتحريرها حتى خرجت الطبعة الثانية «بالنسبة للعبارة أظرف من طبعة مالطة وأجمل»، ومع هذا فإن رفاعة لم يقنع بأن يعتمد على مجهود غيره، وقد كان في عزمه منذ عاد من البعثة أن ينقل كتب الجغرافية التي قرأها إلى العربية؛ فبدأ بترجمة كتاب خاص، أسماه «التعريبات الشافية لمريد الجغرافية»، وهو كما يتضح من مقدمته، أصول دروسه في هذا العلم تخيرها من كتب فرنسية مختلفة - لا من كتاب واحد - وألقاها على تلاميذ مدرسة خاصة أنشئت فيما يبدو ملحقة بمدرسة طرة لتدريس علم الجغرافية ولتخريج مدرسين مختصين في هذا العلم يتولون تدريسه في المدارس الحربية الأخرى.
لم تشر المراجع التي كتبت عن تاريخ التعليم في عصر محمد علي إلى هذه المدرسة ولكن بعض وثائق العصر أشارت إلى وجودها وأيد هذا الوجود رفاعة نفسه في مقدمته للكتاب السابق الذكر؛ فقد صدر أمر من محمد علي باشا إلى ناظر الجهادية في 14 جمادى الآخرة سنة 1251 (قبيل إنشاء مدرسة الألسن) بتعيين «عبده» مدرسا للجغرافية بمكتب البيادة بدمياط، وهو ضمن الأربعة المتممين السابق إرسالهم لطرة للقيام بتدريس (يقصد تعلم) الجغرافية بمدرستها، وهم من الذين رباهم الشيخ رفاعة، وإرسال 10 شبان للشيخ لتربيتهم.
152
وهذه كما يتضح من الأمر السابق لم تكن مدرسة بالمعنى الصحيح، ولكنها لم تعد أن تكون فصلا ملحقا بمدرسة المدفعية خصص لتعليم بعض الطلبة علم الجغرافية، ليتخرجوا مدرسين لهذا العلم في المدارس الحربية الأخرى، غير أن رفاعة يسمي هذا الفصل مدرسة، ويذكر أنها أنشئت بموافقة «مشورة الجهادية» لتعليم الجغرافيا والتاريخ، فلا بأس إذن من أن نحاول شرح الأسباب التي أدت إلى فتح هذا الفصل أو المدرسة، فإنها في نظري النواة التي نشأت عنها مدرسة الألسن بعد قليل.
لم يكن رفاعة على اتفاق مع «سكويرا بك» ناظر المدرسة، فقد عرف هذا الرجل باعتداده الزائد بنفسه، وبحدة طبعه، وبعدائه للفرنسيين، وبالتالي للمثقفين ثقافة فرنسية، فهو إسباني الأصل، وكان - قبل حضوره إلى مصر - ضابطا برتبة «كولونيل» في سلاح المدفعية في الجيش الإسباني، وإليه كما يقول الدكتور عزت عبد الكريم «يرجع الفضل في إنشاء المدفعية المصرية، ومدرسة المدفعية بطرة»، غير أنه للأسباب السابق ذكرها كان يرفض أن يستمع لأوامر مختار بك مدير المدارس، كما كان يكره سليمان باشا مفتش الحربية كرها شديدا، ويطعن في معارفه العسكرية، وخاصة في فن المدفعية، وقد أدت هذه السياسة، وهذا الخلق، إلى عزله في سنة 1836 / 1251، ففي تلك السنة صدرت أوامر محمد علي بتكوين لجنة لتنظيم التعليم في مصر، ورأت اللجنة أن يكتب كل عضو فيها اقتراحاته، ثم يجتمع الأعضاء فينظرون في هذه المقترحات مجتمعين، ولكن «سكويرا بك» رفض وحده هذا الرأي، قائلا إنه لا يخضع لرأي غيره، ولا يعمل إلا ما يراه هو، «فكان ذلك سبب عزله لاعتباره أجنبيا عن مصلحة الجناب العالي، وليس من العقل ائتمان الأجنبي المتجنب على المصالح، كما كان عزله سببا في طاعة بقية نظار المدارس، فانصرفوا ينفذون القرار، ويدونون مقترحاتهم».
153
لم يكن من المنتظر إذن أن تحسن العلاقات بين رفاعة وبين هذا الناظر المتعجرف، وكان رفاعة قد شغف منذ كان طالبا في باريس بدراسة وترجمة علمي التاريخ والجغرافيا، ورسم لنفسه أن يقوم بترجمة الكتب فيهما بعد عودته؛ فقد قال في رحلته «وإن شاء الله تعالى بأنفاس ولي النعم يصير التاريخ على اختلافه منقولا من الفرنساوية إلى لغتنا، وبالجملة فقد تكفلنا بترجمة علمي التاريخ والجغرافيا بمصر السعيدة، بمشيئته تعالى، وبهمة صاحب السعادة محب العلوم والفنون ...»