تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

142

وتفرق الممتحنون أخيرا وهم مجمعون على إتقانه صناعة الترجمة، وعلى «أنه يمكنه أن ينفع في دولته بأن يترجم الكتب المهمة المحتاج إليها في نشر العلوم، والمرغوب في تكثيرها في البلاد المتمدنة ...»

142

اجتاز رفاعة الامتحان بعد أن قضى في فرنسا 5 سنوات طوال، أقبل فيها على الدرس والتحصيل إقبال الطالب المجد المحب لعمله، وقد قرأ في هذه السنوات كتبا شتى في علوم متباينة، وترجم الكثير من هذه الكتب، ولكنه - متأثرا بميله الخاص وبدراسته الأدبية الأولى في الأزهر - شغف أكثر ما شغف بعلمي التاريخ والجغرافيا، ورشح نفسه لترجمة هذين العلمين، فهو يقول في خاتمة رحلته: «وإن شاء الله تعالى بأنفاس ولي النعم يصير التاريخ على اختلافه منقولا من الفرنساوية إلى لغتنا؛ فقد تكفلنا بترجمة علمي التاريخ والجغرافيا بمصر السعيدة بمشيئة الله تعالى، وبهمة صاحب السعادة محب العلوم والفنون حتى تعد دولته من الأزمنة التي تؤرخ بها العلوم والمعارف المتجددة في مصر مثل تجددها في زمن حلفاء بغداد ...»

143

في رمضان سنة 1241 غادر رفاعة الإسكندرية مرتحلا إلى فرنسا، وفي رمضان سنة 1246 غادر باريس عائدا إلى مصر، خمس سنوات كاملة تغير فيها الشيخ عقلا وعلما وتفكيرا وآمالا، ولكنه لم يتغير، بل لم يتأثر دينا وأخلاقا، يقول علي مبارك: «ولم تؤثر إقامته بباريز أدنى تأثير في عقائده، ولا في أخلاقه وعوائده ...»

144

وفي الإسكندرية تشرف بمقابلة إبراهيم باشا فرحب به؛ لأنه سمع عنه ثناء جما أثناء زيارته لباريس، ولأنه كان يعرف أسرته في طهطا معرفة وثيقة، وفي ختام المقابلة وعده إبراهيم باشا «بدوام الالتفات إليه»،

145

وأنعم عليه بستة وثلاثين فدانا في الخانقاه، فكانت أول مكافأة نالها رفاعة على جده واجتهاده، وأول الغيث طل.

وسافر إلى القاهرة وحظي بمقابلة ولي النعم محمد علي باشا، وكان محمد علي قد عرفه معرفة أكيدة من تقارير «مسيو جومار» الكثيرة عنه، وكلها مدح وتقريظ لجهوده وتقدير لعمله، وفي هذه المقابلة لقي رفاعة من مولاه كل عطف وتشجيع، «ورأى من ميله إليه ما حمله على الثقة بنجاح المبدأ والنهاية»،

144

وصدر أمره العالي بتعيينه مترجما بمدرسة الطب، فكان أول مصري يعين مترجما بهذه المدرسة؛ فقد كانت هيئة المترجمين جميعا حتى ذلك الوقت من السوريين كما سبق أن ذكرنا؛ لهذا لم يلبث رفاعة أن تفوق عليهم في عمله؛ فهو يتقن العربية إتقانا لا يدانيه فيه أحد من هؤلاء المترجمين السوريين وهو يجيد الفرنسية مثلما يجيدونها، وترجمته في النهاية صحيحة سليمة لا تحتاج - كترجمة السوريين - إلى مراجعة أو تصحيح شيخ من شيوخ الأزهر المحررين بالمدرسة.

لبث رفاعة مترجما في مدرسة الطب نحو سنتين، ولكنه يبدو أنه كان في هذه المدرسة مصححا ومحررا أكثر منه مترجما؛ إذ لم يعرف أنه ترجم في الطب غير الرسالة

146

الصغيرة التي ترجمها وهو في باريس وضمنها رحلته، ولكنه قام في هذه الفترة بمراجعة كتاب «التوضيح لألفاظ التشريح» في الطب البيطري،

147

الذي ترجمه يوسف فرعون وصححه مصطفى كساب؛ فقد قرر مجلس الجهادية في 20 جمادى الأولى سنة 1248 «بناء على ما ورد على مجلس المشورة في مدرسة الطب البيطري الموافقة على طبع كتاب التشريح الذي ترجم بعد مراجعة الترجمة بمعرفة الشيخ رفاعة أفندي وهرقل البيكباشي واتضاح صحتها ...»

148

وقد ذكر في خاتمة الكتاب أنه تم ترجمة في التاسع عشر من شعبان سنة 1247، وأنه تم طبعا في بولاق في غرة صفر سنة 1249،

149

وفي سنة 1249 نقل رفاعة من مدرسة الطب ليكون مترجما بمدرسة الطوبجية

150

بطرة خلفا للمستشرق الشاب «كنيك

Kening »، وفي هذه المدرسة قام رفاعة بترجمة بعض الكتب الهندسية والجغرافية اللازمة لمدرسة الطوبجية وغيرها من المدارس الحربية، فأتم أولا ترجمة كتاب مبادئ الهندسة

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٦٦