وفي شوال سنة 1251/يناير سنة 1836
89
ضمت مدرسة المهندسين بالقناطر إلى مدرسة المهندسخانة ببولاق، ونقل بذلك بيومي أفندي أستاذا بهذه المدرسة الأخيرة.
وفي نفس السنة ألفت لجنة لإعادة تنظيم المدارس؛ فكان بيومي أفندي واحدا من أعضائها،
90
وقد عنيت هذه اللجنة عناية خاصة بمدرسة المهندسخانة ببولاق، فوضعت للدراسة بها نظاما يتفق ونظام مدرسة الهندسة بباريس، وفي أوائل تلك السنة (1836) كان قد عاد من فرنسا إبراهيم أفندي رمضان، وأحمد أفندي دقلة، وأحمد أفندي طائل، وأحمد أفندي فائد قبل أن يتموا دراستهم، وكانوا قد أوفدوا إليها جميعا في سنة 1830، فألحق اثنان منهم وهم دقلة وطائل معيدين لدروس بيومي أفندي في المهندسخانة على أن يتما دراستهما عليه، وألحق أحمد أفندي فائد معيدا لدروس بهجت باشا بالقصر العيني، وإبراهيم أفندي رمضان معيدا لدروس مظهر باشا بمدرسة الطوبجية، ولم يلبث هذان الأخيران أن نقلا إلى مدرسة بولاق، وأصبح الجميع تلامذة ومعيدين لبيومي أفندي. يقول علي مبارك باشا: «وكان (أي بيومي أفندي) هو الباش خوجة عليهم، فكان المرجع إليه والمعول عليه.»
91
وفي سنة 1836 أيضا عندما أعيد تنظيم مدرسة المدفعية بطرة قام بتنظيم
92
دروس الرياضيات بها بيومي أفندي.
وحوالي سنة 1839 / 1255 أوجد بديوان المدارس نظام المعاونين
93
وهم بمثابة المفتشين الآن، وكان عملهم الأساسي التفتيش على المدارس وشئونها المختلفة علمية وتربوية وصحية ... إلخ، وكان يعهد إلى بعض هؤلاء المعاونين، ومنهم بيومي أفندي بترجمة الكتب وتصحيحها.
وقد قام بيومي أفندي بهذه الأعمال جميعا خير قيام، ولكنه بذل الجهد الأكبر مع تلاميذه ومساعديه الأربعة في النهضة بمدرسة بولاق وتلاميذها، وترجمة الكتب في مختلف فروع العلوم الرياضية، لاحظت هذا الجهد لجنة سنة 1841 لإعادة تنظيم التعليم، فمدحته، وضمنت هذا المدح تقريرها، قالت: «لا ريب في أن المهندسخانة مدينة بكل تقدمها هذا إلى دقة ناظرها، وهمة أساتذتها، غير أن معظم الفضل إنما يرجع إلى ترجمة المدرسين للدروس، وإلى الإسراع في طبع التراجم بمطبعة الحجر (الملحقة بالمدرسة)، ثم جمعها في كراسات وكتب، ولقد كانت العلوم الرياضية التي كانت في متناول اليد من القلة والندرة، وكانت ترجمتها من الإشكال والصعوبة بحيث لم يتيسر قبل اليوم تنشئة المهندسين الفحول على الوجه الصحيح الموافق لأسلوب فرنسا، ولكن ها هو البكباشي محمد بيومي أفندي، واليوزباشية أحمد طائل أفندي، وإبراهيم رمضان أفندي، وأحمد دقلي أفندي، وأحمد فائد أفندي يتولون بفضل بركات الخديوي ترجمة الدروس التي وكل إليهم تعليمها، ثم لا يقفون عند حد الترجمة، بل يطبعونها على الحجر ويطبعون منها كتبا
94
وأسفارا، والواقع أن الامتحان الأخير كان مشهدا لما جمعته هذه الكتب بين دفاتها من شتى العلوم.»
95
ولما أنشئ قلم الترجمة (الملحق بمدرسة الألسن) في سنة 1841 قسم إلى أقلام أربعة، كان أولها القلم الخاص بترجمة الكتب الرياضية، فكان بيومي أفندي خير من يتولى رئاستها، فنقل إليه وعين لمساعدته ملازم من خريجي الألسن، وخمسة
96
من تلاميذ فرقتها الأولى.
وقد كان بيومي أفندي إلى هذا «حسن الأخلاق مهيبا جليلا ذا رأي حسن»،
97
وكان أستاذا لجيل من المهندسين بأكمله، تتلمذ عليه من كان يصغره سنا، ولم يأنف أن يتتلمذ له من كان يكبره سنا، أمثال «سلامة باشا، ومحمود باشا الفلكي، وإسماعيل باشا محمد، وعامر بك»، وكلهم من نوابغ المصريين في القرن التاسع عشر.
غير هذا أن هذا النبوغ الفذ والخلق الطيب لم يلقيا من عباس الأول ما لقياه من محمد علي من تكريم وتقدير؛ ففي 12 رجب سنة 1266، صدر الأمر بإنشاء مدرسة الخرطوم الابتدائية وعين رفاعة بك لنظارتها، واختير لتدريس الأرقام، وطريقة كتابتها، وعمليات الجمع والطرح والضرب، نابغة الرياضيات بيومي أفندي، وتلميذه وزميله أحمد طائل أفندي، وكانت الصدمة عنيفة فأثرت في صحة بيومي أفندي، وتعاون عليه الحظ العاثر والمرض، فأدركته المنية ودفن هناك.