هذان هما أحدث المراجع العربية التي كتبت عن البعثات، وعنهما نقلت معظم المراجع الأخرى،
51
هذه الحقيقة، غير أن البحث قد دلنا على أن هذا الرأي بعيد عن الصواب، وعمدتنا في تحقيقه وثيقة معاصرة هي خطاب
52
تاريخه 22 أكتوبر سنة 1820 موجه من «بيزوني »
Pezzoni
إلى «ريبوبيير»
Ribeaupiere
وهما من رجال القنصلية الروسية بالقاهرة في عهد محمد علي.
في هذا الخطاب ترجم «بيزوني» لعثمان نور الدين، فذكر أنه واحد من التلاميذ الذين أرسلهم في سنة 1809 المغفور له «يوسف بكتي
Joseph Bokty »
53
قنصل السويد العام في القاهرة، ليتلقوا العلم في إيطاليا على نفقة محمد علي باشا، ثم ذكر أنه مكث يطلب العلم في «بيزا» و«ليفورنو» نحو الخمس سنوات، ثم رحل إلى فرنسا ليتم بها تعليمه فلبث بها سنتين، وعاد إلى مصر أخيرا في سنة 1917.
من هذا يتضح: (1)
أن أول بعثات محمد علي أرسلت إلى إيطاليا سنة 1809 لا سنة 1913. (2)
لم يعرف من أفراد هذه البعثة غير عثمان نور الدين، وقد تلقى العلم في إيطاليا ثم في فرنسا لا في فرنسا فقط. (3)
أنه مكث في البعثة نحو سبع سنوات من 1809-1817، لا سنة واحدة (من 1819-1820)، كما ذكر المغفور له الأمير عمر طوسون.
ويهمنا أن نقرر بعد ذكر هذه الحقائق أن محمد علي وفق حقا في اختيار عثمان نور الدين؛ فقد كان هذا التلميذ من خيرة أعضاء البعثات،
54
فلما عاد إلى مصر كان ساعد محمد علي الأيمن في نهضته الحربية والتعليمية.
وقد اقترنت هاتان النهضتان، كما اقترن إنشاء المطبعة وتاريخ الترجمة باسم عثمان نور الدين وجهوده، غير أن حادثة سياسية خاصة - سنعرض لها فيما بعد - كانت السبب في حدوث شقاق بينه وبين مولاه محمد علي، وانتهى هذا الشقاق بسفره إلى الدولة العثمانية؛ ولهذا نلاحظ أن وثائق السنوات الأخيرة من عصر محمد علي ومراجع ذلك العصر الحديثة تهمل ذكر عثمان نور الدين - عن قصد أو عن غير قصد - غير أننا نحب أن نعرض لتاريخ هذا الرجل بشيء من التفصيل تقديرا له ولجهوده.
أسرته تركية من جزيرة «مدللي»، رحلت إلى مصر، واستقرب بها، وكان أبوه «فراشا» أو «سقاء» بقصر محمد علي، ومن هنا اكتسب اسمه الأول «عثمان سقه باشي زاده»، التقطه محمد علي - وقد كانت له ميزة اختيار الرجال وتكوينهم - وأرسله في بعثته الأولى لتلقي العلوم الحربية والبحرية وفنون السياسة وإدارة الحكم في إيطاليا وفرنسا.
ولما عاد إلى مصر في سنة 1817، عين «كاشفا» في حرس محمد علي الحربي، ثم عهد إليه بتنظيم الكتب الكثيرة التي أحضرها معه من فرنسا - إجابة لرغبة محمد علي - وبهذا كون في قصر إبراهيم بن محمد علي في بولاق أول مكتبة وجدت في عصر محمد علي، ثم ألحق به في سنة 1820-1821 بعض التلاميذ ليدرسوا عليه وعلى مدرسين آخرين الهندسة واللغات العربية والتركية والإيطالية.
هذه هي مدرسة بولاق، وهي أول مدرسة نظامية أنشئت في عصر محمد علي، وذلك تنفيذا لاقتراح عثمان نور الدين نفسه، وقد تولى نظارتها والإشراف عليها، وكان يدرس لتلاميذها الهندسة واللغة الفرنسية.
وقد زار هذه المدرسة الرحالة الإيطالي «بروكي» في 5 ديسمبر سنة 1822، وذكر أنه كان بهذه المدرسة ثلاثة مدرسين مسيحيين هم: (1) «دون كارلو بيلوتي»، وهو إيطالي من «كالابريا»، ويدرس الرياضة. (2) «القس سكاليوتي» من «بيدمنت»، ويدرس اللغة الإيطالية. (3)
دون رفاييل ويدرس اللغة العربية.
ثم زار أيضا المكتبة السابق ذكرها، وتحدث عن أنواع الكتب التي كانت فيها، فقال إنه رأى بها كتبا تبحث في فنون الحرب والزراعة والرياضة، وكتبا في القانون والتشريع والأدب من بينها الكوميديا الإلهية:
Il poema di dante
لدانتي، وقال «بروكي» أيضا أنه دهش الدهشة كلها؛ إذ وجد في تلك المكتبة نسخا من كتب «فولتير» و«روسو» والكتاب المقدس، ومجموعة من القصص الفرنسية لكتاب مختلفين، وزادت به الدهشة وهو يتنقل بين هذه المجلدات؛ إذ وجد مجموعة كبيرة من الكتب التي تبحث في النظم الدستورية للحكومات الأوروبية، وهذه كتب على حد قوله: «لا ينتظر أحد أن يجدها في مكتبة عامة في بلد تحكم حكما أوتوقراطيا.» وراعه أخيرا ألا يجد بهذه المكتبة كتبا خاصة بمصر وتاريخها؛ إذ لم يجد بها من هذا النوع إلا رحلة فولني، والكتاب الكبير الذي وضعه المعهد الفرنسي - يقصد كتاب وصف مصر - وبعض أعداد من جريدة «الديكاد».