تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد كان محمد علي حريصا الحرص كله على أن يقوم هؤلاء التلاميذ - وهم بعد في طريق التحصيل، ثم بعيد تخرجهم، أو عودتهم من أوروبا - بترجمة الكتب فيما اختصوا فيه، كتب مرة في 21 ربيع الآخر سنة 1243 / 12 نوفمبر 1827 إلى ضباط الجيش المصري، يذكر أنه كان يأمل أن تلاميذ «السنة الثالثة بالمدرسة الحربية» قد أتقنوا ما يدرس لهم من الفنون الحربية والهندسية، وأنهم «قد ترجموا من اللغة الفرنسية بعض أشياء مما يفيد مصلحتنا، ويوافق أصولنا.»

45

وفي 22 ربيع الأول سنة 1249 / 10 سبتمبر 1843 صدر أمر منه إلى باغوص بك «بأنه كان تنبه على «كلوت بك» بإلزام الطلبة الذين أرسلوا إلى أوروبا لتلقي فنون الطب بها بترجمة الكتب التي يدرسونها أولا بأول إلى العربية وإرسالها، فإذا لم تكن وصلت التراجم، يكتب للطلبة أنفسهم على أوامر من المختومة بختمه «الوالي» الموجودة بطرف زكي أفندي مأمور ديوان خديوي بالإسكندرية بمعنى ذلك، بحيث تكون الأوامر بالعربي لأولاد ولاد العرب، وبالتركي لأولاد الترك، وعرض ما يكتب قبل إرساله.»

46

هكذا كانت تصدر الأوامر من محمد علي إلى الطلاب، وهم بعد في دور التحصيل في أوروبا بأن يقوموا بترجمة الكتب إلى العربية والتركية، فإذا عادوا إلى مصر لم ينتظر حتى يصلوا إلى العاصمة، ويحظوا بمقابلته، بل كان يصدر إليهم الأوامر وهم بعد في دور الحجر الصحي أن يبدءوا الترجمة؛ صدر أمر منه إلى ناظر المهمات في 28 ذي الحجة سنة 1250 / 27 أبريل 1835 «بأنه قد اطلع على الإفادة الواردة إليه بعدم دخول محمد بيومي أفندي الحاضر من أوروبا الكورينتينا، ووجوده معه للمساعدة في ترجمة كتاب الهندسة الوصفية، وعدم اشتغال رفيقه حسن الورداني أفندي بشيء بالنسبة لدخوله بالكورنتينا، ويشير بأنه يظن لياقة المذكور للترجمة، فيلزم إعطاؤه كتابا آخر لترجمته مدة مكثه بالكورنتينا ...»

47

ولما عاد أعضاء بعثة سنة 1826 من أوروبا استقبلهم في ديوانه بالقلعة، وأعطى كلا منهم كتابا فرنسيا في المادة التي درسها في أوروبا، وطلب إليهم أن يترجموا تلك الكتب إلى اللغة العربية، وأمر بحجزهم في القلعة، وألا يؤذن لأحد منهم بمغادرتها حتى يتموا ترجمة ما عهد إليهم بترجمته.

48

هذا هو القانون العرفي الذي وضعه محمد علي، وأوجب أن يتبعه كل عائد من بعثة؛ ذلك أن يترجم هذا العضو كتابا في فنه الذي تخصص فيه، بل لقد كان يعهد أحيانا إلى بعض أعضاء البعثات بترجمة كتب في علم أو فن آخر غير ما تخصصوا فيه، أرسل الشيخ أحمد حسن الرشيدي لدراسة الطب في فرنسا، فلما عاد إلى مصر عهد إليه بترجمة كتاب في الجغرافيا. يقول في مقدمته: «لما من الله علي بالعود إلى وطني من بلاد الأوروبا، وقيدت بمدرسة الطب بمصر حكيما ومعلما من المعلمين الأطباء، تشاور أرباب ديوان المدارس والعلوم في اختيار كتاب أقوم بترجمته، حسبما تقتضيه القوانين والرسوم، ... فاتفق رأيهم على كتاب لازم لجميع المدارس الملكية، ومحتاج إليه في المكاتب السلطانية، وهو المرسوم بالدراسة الأولية في الجغرافية الطبيعية ... إلخ.»

49

وجه محمد علي بعوثه إلى مختلف دول أوروبا، ولم يختص واحدة منها بهذه البعوث دون الأخرى، وإن كان العدد الأكبر من هذه البعوث قد أرسل إلى فرنسا، وقد وجهت هذه البعثات لدراسة العلوم والفنون الأوروبية المختلفة؛ ولهذا نجد أن أعضاءها الذين شاركوا في حركة الترجمة قد ترجموا كتبا مختلفة الفنون والعلوم، وإن كنا سنلاحظ أن معظم الكتب التي ترجموها كتب طبية ورياضية.

كان طليعة البعثات في عهد محمد علي، ورائدهم الأول عثمان سقه باشي زاده أو عثمان نور الدين باشا فيما بعد، ذكر الأمير عمر طوسون،

50

ونقل عنه الدكتور عزت عبد الكريم أنه كان واحدا من أعضاء البعثة الثانية في عصر محمد علي، وأنه أرسل إلى فرنسا سنة 1819، وعاد إلى مصر سنة 1820، وذكر أيضا أن أولى بعثات محمد علي إلى أوروبا هي التي أوفدت إلى إيطاليا بين سنتي 1813 و1816، وكان أهم أعضائها نقولا مسابكي مدير مطبعة بولاق فيما بعد.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٤٨