تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

55

وفي هذه المدرسة أيضا كان يقوم بعض التلاميذ بترجمة «كتب الفنون الحربية وسائر الصنائع»

56

تحت إشراف عثمان نور الدين وأساتذة المدرسة، ولتلاميذ هذه المدرسة فيما أرجح وضع رفاييل قاموسه «الإيطالياني العربي» الذي طبع في سنة 1822، بل لقد صرح رفاييل نفسه بهذا في مقدمته للقاموس؛ إذ يقول: «... وكان إنني قد أقمت على تعليم اللغة الإيطاليانية (كذا) بأمر صاحب العزة، الحاج محمد علي نائب السلطان بمملكة مصر، وقد اضطررت من قبل وظيفة التعليم، وسهولة درك معنى الألفاظ بهذه اللغة والتفهيم على التلامذة الدارسين، وعلى من ينتدب لترجمة الكتب من المتفقهين لأني (كذا) أؤلف قاموسا ترجمانا وجيزا في اللغتين الإيطاليانية والعربية ...»

57

وكان النشاط على أتمه حينذاك لتكوين الجيش المصري الجديد، وتدريبه على النظم الأوروبية الحديثة، فقام عثمان نور الدين بترجمة الكتب الحربية المختلفة في نظم الجيش وقوانينه وتعاليمه عن الفرنسية إلى التركية.

وفي سنة 1822 تكونت لجنة لوضع برامج التعليم العسكري الجديد؛ فكان عثمان نور الدين ثالث ثلاثة بهذه اللجنة، وكان العضوان الآخران: الكولونل سيف (سليمان باشا الفرنساوي) وأحمد أفندي المهندس، وفي نفس السنة سافر مع سليمان باشا حتى وصلا إلى أسوان ليشترك معه في تنظيم الفرقة الأولى للمشاة على «النظام الجديد».

وفي سنة 1823 عين «سر عسكر» الجيش المصري، وحصل بذلك على لقب «بك»، وفي سنة 1825 ترجمت قوانين ونظم البحرية الإنجليزية إلى التركية تحت إشرافه، ثم عهد إليه محمد علي باشا أن يتولى بنفسه الإشراف على تنظيم البحرية المصرية الجديدة، وتعليم ضباطها بالاشتراك مع الجنرال «ليتلييه

Letellier »، وبهذا أصبح لعثمان بك الإشراف التام على شئون الجيش والأسطول المصري، فبذل للنهضة بها جهودا فذة، ولما حطم الأسطول المصري في «نفارين» كان عثمان نور الدين المساعد الأول والمشجع الأول - بعد محمد علي - للمسيو «سيريزي

Cerisy » على إنشاء دار الصناعة، والأسطول الجديد في الإسكندرية.

وكان محمد علي لثقته الشديدة به يعتمد عليه في أمور كثيرة، وكان يحبه حبا جما حتى كان لا يناديه إلا بلفظ «ولدي عثمان»

58

ولهذا زوجه من إحدى جواري القصر، وبنى له منزلا غربي قصر رأس التين ليكون على مقربة منه ومن سفن الأسطول، ثم ولاه في سنة 1827 قيادة الأسطول المصري بعد زوج ابنته محرم بك، وقد تولى قيادة هذا الأسطول في حرب الشام الأولى، وكان لقيادته فضل كبير في إسقاط عكا وإحراز النصر النهائي في تلك الحرب.

هذا موجز لجهود عثمان نور الدين الحربية، وجهوده في تدعيم النهضة التعليمية الأولى لا تقل عنها؛ فإنه لبث بعد إنشاء مدرسة بولاق يرسم الخطط لمحمد علي، وقد نفذت هذه الخطط واحدة بعد الأخرى؛ ففي سنة 1835 قام بتأسيس مدرسة قصر العيني،

59

وكان أول مدير لها، وفي نفس السنة أنشئت مدرسة أركان الحرب في قرية جهاد آباد بناء على مشورته، ولما استقدم محمد علي الدكتور كلوت، وعهد إليه بإنشاء مدرسة الطب المصرية، ترك لعثمان نور الدين سلطة الإشراف على إنشاء تلك المدرسة، وإليه رفع «كلوت بك» تقريره الأول الذي عالج فيه ما قد يعترض إنشاء المدرسة من صعاب.

وإلى عثمان نور الدين يرجع الفضل في إيفاد بعثة سنة 1826 الكبرى إلى باريس؛ وذلك أنه اتصل أثناء تلقيه العلم في فرنسا بالمسيو «جومار»، أحد علماء الحملة الفرنسية، والمشرف حينذاك على نشر جهود المعهد المصري العلمية، فأعجب به «جومار» ثم تحدث إليه عن الوسائل التي يمكن أن تعيد الصلة العلمية بين مصر وفرنسا قوية وثيقة، واقترح عليه أن تفكر مصر في إيفاد بعض تلاميذها لتلقي العلم في فرنسا، وقد حمل عثمان هذه الرغبة إلى محمد علي، وظل يحبذها لديه، حتى وافق محمد علي وأرسلت البعثة الكبرى سنة 1826، وعهد إلى المسيو «جومار»

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٥٠