48
وواضح من هذا الخطاب أن رئيس الجمعية في سنة 1842 هو المهندس الفرنسي الشهير مسيو «لينان»، وكان سكرتيرها في تلك السنة وفي سنوات مقبلة هو الدكتور «برون»، وبفضل صلته بجولي مول وافقت الجمعية الآسيوية على أن تقدم لزميلتها الجمعية المصرية المساعدات الممكنة لبيع كتبها ومنشوراتها في باريس، ويقول برون لصديقه في نفس الخطاب: «اطلعت الجمعية على خطابكم الذي تعرضون فيه مساعدة الجمعية الآسيوية لتسهيل بيع الكتب التي سننشرها، وقد قبل عرضكم هذا بكل سرور، وإني أقدم لكم شكر الجميع ... إلخ.»
وقد اعترضت هذه الجمعية صعوبات كثيرة؛ ففي عهدها الأول (ما بين 1835 و1842) قام نزاع شخصي بين رئيس الجمعية دكتور فالن
Dr. Walne
وسكرتيرها العام دكتور أبوت
Dr. Abbot ،
49
وأدى هذا النزاع إلى انفصال بعض الأعضاء وتكوينهم جمعية جديدة، أسموها الجمعية الأدبية
Association Littéraire ، يقول برون في خطابه السابق: «وهذه الجمعية المنفصلة تضم نحو الستين عضوا، وقد دفعوا رسم التأسيس، وتنوي هذه الجمعية أن تعمل على النشر وخاصة النصوص الهيروغليفية، وتحاول أيضا إنشاء مكتبة».
أما الجمعية المصرية فقد انتهت حياتها إلى الانحلال في عهد متأخر، فضمت مكتبتها القيمة إلى المكتبة الخديوية (دار الكتب المصرية الآن) في سنة 1873 أو سنة 1874 تنفيذا لوصية أعضائها الأخيرين حككيان بك
Hekekian Bey
ومسيو توربون
M. Thurborn
وكاني بك
Cany Bey .
ولم يقتنع «برون» باتصاله بأنداده العلماء الأوروبيين المقيمين في مصر والوافدين عليها؛ لأنه كان معنيا بالبحث في الكتب العربية وترجمتها والكتابة عن مواضيع مختلفة من تاريخ الشرق، وقد أتى إلى مصر وعربيته ضعيفة دون شك، فعمل على أن يزيد معرفته بهذه اللغة، ولم يلبث أن وصفه صديقه وأستاذه الشيخ محمد عمر التونسي بأنه «العارف بكثير من اللغات، المنتخب لأكثر ألفاظ الطب من كلام الثقات، «المتمكن» من العربية والفنون الأدبية.»
50
وكان في مدرسة الطب التي درس فيها وتولى نظارتها هيئات مختلفة تعمل مشتركة لترجمة الكتب الطبية إلى اللغة العربية، أهمها هيئة المترجمين وهيئة المحررين والمصححين، وأعضاء الهيئة الأخيرة كلهم من خيرة مشايخ الأزهر المعروف عنهم الدقة في البحث والشغف بالقراءة، فكان منهم في مدرستي الطب البشري والطب البيطري الشيخ محمد عمر التونسي، والشيخ نصر أبو الوفا الهوريني، والشيخ أحمد حسن الرشيدي، والشيخ محمد الهراوي، والشيخ سالم عوض القنياتي، والشيخ مصطفى كساب ... إلخ.
وقد اتصل الدكتور برون بهؤلاء المشايخ وأفاد منهم، وقد كان له رأي خاص عن علماء الأزهر في ذلك الوقت، فيه - رغم قسوته ومرارته - بعض الخطأ وبعض الصواب مما سنعرض له بالتحليل الوافي عند كلامنا عن المحررين والمصححين، وعند تقديرنا العام للترجمة في ذلك العصر، غير أن اثنين فقط من علماء مصر الذين اتصل بهم برون حازا إعجابه، وتتلمذ عليهما وأشار إليهما في خطاباته بالإعجاب والإجلال، واعترف لهما بالأستاذية؛ فقد أعاناه وساعداه في بحوثه وترجماته العلمية المختلفة، وهما: الشيخ محمد عياد الطنطاوي، والشيخ محمد عمر التونسي.
وقد عني «برون» كمؤلف بالمادتين اللتين كان يدرسهما في مدرسة الطب، وهما الكيمياء والطبيعة؛ فوضع فيهما كتابين كبيرين ترجما إلى اللغة العربية؛ أما الكتاب الأول فهو «الجواهر السنية في الأعمال الكيماوية»، ألفه «برون»، وألقاه على التلامذة أولا بأول، فاستفادت منه في علم الكيمياء فوائد جمة، فلما نقلت مدرسة الطب إلى قصر العيني، وعين «برون» ناظرا لها، وكان إذ ذاك ضرب بعطن في اللغة العربية، وصار يفهم النكات الأدبية، فبحث في القواميس على الألفاظ الطبية والكيماوية، وأسهر ليله في نفع المدرسة بكل فكرة وروية، فلما ووفق على طبع الكتاب قام هو بترجمته بنفسه، وأشرف على مراجعته الشيخ محمد الهراوي، فراجع ثمانيا وخمسين ملزمة، ثم توفي فأشرف على مراجعة بقية الكتاب أستاذ «برون» وصديقه الحميم الشيخ محمد عمر التونسي، الذي يقول في مقدمة الكتاب: «على أن جل هذا الكتاب كان أملي علي من قبل ذلك، وصححت أكثره بلا مشارك، ولم آل جهدا في تنقيحه والله المستعان، وساعدني في ذلك معرفة مؤلفه باللغة العربية؛ لأني قابلت كل مشكلة معه على أصوله الفرنسية ...»