43
ولا نعرف متى غادر مصر ثانية إلى وطنه، ولكننا نعلم أنه مات في باريس في 11 يناير سنة 1876 في نفس السنة التي توفي فيها صديقه ومراسله العلامة ج. دي مول.
وقد كتب المسيو «أرنست رينان
M. Ernest Renan » مرثية للرجلين في التقرير المقدم عن أعمال الجمعية الآسيوية لسنتي 1875-1876.
44
قال رينان في رثائه للدكتور «برون»: «في الحادي عشر من يناير اختفى أيضا رجل ترك في تاريخ دراستنا تذكارا باقيا، وأعني به الدكتور «برون» وهو واحد من أوائل الملتحقين بهذه الفرقة من الرجال المستنيرين المقاديم الذين عضدوا - وهم في مصر - مشاريع محمد علي لتحضير هذا البلد.» «وبرون لم يدرس الشرق كباحث فقط، وإنما كان يؤمن - ككل أفراد الجيل الذي كان من أبنائه - بالشرق، كما كان يأمل في انبعاثه من جديد، وقد عمل هناك في إخلاص نادر.
وكان إنشاء طب عربي فرنسي جزءا من عمله، وقد أدى خدمات من نفس النوع لمنشآت مدارسنا في الجزائر، وكان يحب العرب، ويعتقد في إمكان ربطهم بالحضارة الأوروبية، ممتلئا في ذلك بعواطف خيرية، ومتشبعا بمبادئ فلسفة عاطفية ...»
45
ذكرنا فيما سبق أن «برون» كان يضمن خطاباته آراءه عن الحياتين السياسية والعلمية في مصر. وآراؤه عن الحياة السياسية لا تعنينا هنا، وإنما يعنينا أن نعرض لآرائه عن الحياة العلمية ففيها مساس قوي بتاريخ الترجمة في ذلك العصر.
كان محمد علي قد أرسل البعوث إلى أوروبا، وأنشأ المدارس الحديثة في مصر، وكانت جهود خريجي المدارس والبعثات مركزة أول الأمر في ترجمة المؤلفات الأوروبية، وتلا هذه الجهود جهود أخرى لنشر بعض المؤلفات العربية القديمة الهامة، وقد أرخ «برون» لهذه الحركة - حركة الترجمة والنشر - تأريخا لطيفا مفيدا؛ فأرسل لصديقه «ج. مول» في سنة 1842 خطابا تحدث فيه عن المدارس الجديدة ومطبعة بولاق، فنشره في الجريدة الآسيوية - المجموعة الرابعة، المجلد الثاني سنة 1843 - تحت عنوان:
Lettre sur les écoles et l’imprimerie du Pacha d’Egypte par m.a. Perron à m.j. Mohl. 22 Octobre 1842 .
46
وقد استطاع «برون» أن يندمج في الوسط العلمي المصري بحكم اشتغاله بالتدريس، وبحكم معرفته باللغة العربية، غير أن معظم الأجانب الموجودين في مصر وقتذاك للمساهمة في نهضة محمد علي التعليمية والإصلاحية كانوا يجهلون اللغة العربية، وهم قوم مثقفون يحبون البحث والقراءة، وليس في مصر مكتبات إفرنجية أو محال لبيع الكتب الأجنبية؛ لهذا كون هؤلاء الأجانب في القاهرة جمعية أسموها «الجمعية المصرية
Societé Egyptienne »
47
تحدث عنها «برون كثيرا في خطاباته لصديقه «مول»، فذكر أنها أسست في سنة 1835 وكان غرضها الأول إنشاء مكتبة تضم أكثر عدد ممكن من الكتب، وخاصة ما يتحدث منها عن الشرق: تاريخه وجغرافيته، وأديانه، وعاداته ... إلخ ... إلخ.»
وكانت مالية الجمعية تتكون من: (1)
اشتراكات الأعضاء، واشتراك العضو في السنة مائة وخمسة قروش. (2)
هبات الرحالة الأوروبيين الذين يمرون بالقاهرة؛ فإن أي سائح أوروبي كان يستطيع أن يتردد على الجمعية ويتمتع بالقراءة في مكتبتها على شرط أن يقدمه للجمعية أي عضو من أعضائها.
وكان هؤلاء السائحون يقدرون ما تؤديه الجمعية من فوائد ثقافية للجاليات الأوروبية في القاهرة؛ فكانوا يتركون - عند رحيلهم - بعض الجنيهات - كهبة - في صندوق الجمعية.
وقد تطورت أغراض الجمعية بعد نحو ست أو سبع سنوات من تأسيسها، فأصبح من أغراضها طبع ونشر الكتب المتصلة بالشرق. يقول «برون» عضو الجمعية وسكرتيرها في خطابه المرسل من القاهرة بتاريخ 28 أكتوبر سنة 1842: «وعندنا الآن - تحت الطبع - مذكرات شيقة جدا عن الموقع الحقيقي لبحيرة قارون بالفيوم، وعن حدودها، والعلاقات القديمة بينها وبين فيضان النيل ... إلخ، وهذا الكتاب من وضع «مسيو لبنان» الرئيس الحالي للجمعية المصرية ...»