3
وثالثها أن حرص هؤلاء الأجانب على إطالة مدة خدمتهم وارتزاقهم «لم يكن مما يجعلهم يتحمسون كثيرا لتلقين المصريين فنونهم».
3
وفي الحديث الذي أدلى به محمد علي للدكتور «بورنج
Bowring » مندوب الحكومة الإنجليزية إيضاح كامل للبرنامج العظيم الذين وضعه نصب عينيه ليتحقق على أيدي أعضاء البعثات، وفيه أيضا دليل قوي على عبقرية محمد علي، ذلك الرجل الأمي الذي ساقته العناية الإلهية لتعليم شعب بأسره. قال محمد علي لبورنج: «إن أمامي الشيء الكثير لأتعلمه أنا وشعبي، فأنا الآن مرسل إلى بلادكم أدهم بك، ومعه خمسة عشر شابا مصريا ليتعلموا ما يمكن لبلادكم أن تعلمه، فعليهم أن ينظروا إلى الأشياء بأعينهم، وأن يتمرنوا على العمل بأيديهم، وعليهم أن يختبروا مصنوعاتكم جيدا، وأن يكشفوا كيف ولم تفوقتم علينا، حتى إذا ما قضوا وقتا كافيا بين شعبكم عادوا إلى وطنهم، وعلموا شعبي ...»
4
المدرسة المصرية التي أنشأها محمد علي في باريس لإقامة أعضاء البعثات.
وقد أرسلت في عهد محمد علي سبع بعثات، كانت أولاها في سنة 1809 إلى إيطاليا، ثم تعددت البعثات إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا والنمسا لدراسة الطب والهندسة والفنون الحربية والبحرية والترجمة والحقوق والإدارة والكيمياء والتاريخ والعلوم الرياضية والزراعة والطباعة وصناعة السفن والنسج بأنواعه والسباكة، إلخ ... إلخ ، وكانت آخر هذه البعثات إلى إنجلترا في أوائل سنة 1848، أي قبل أن ينتقل محمد علي إلى الرفيق الأعلى بسنة واحدة.
وليس يعنينا هنا أن ندرس تاريخ هذه البعثات وأعدادها والعلوم التي أرسلت لدراستها، وأعمار المبعوثين، ومبلغ ثقافتهم، ومدى نجاح كل منهم ... إلخ؛ ففي كتب: التعليم في عصر محمد علي للدكتور أحمد عزت عبد الكريم ص422-453، والبعثات العلمية في عهد محمد علي للأمير عمر طوسون، ص5-414، وعصر محمد علي للأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك، ص451-469، وغيرها كثير؛ غناء لمن يريد العلم بأخبار هذه البعثات، ولكن يعنينا هنا أن نذكر أن هذه البعثات كانت أداة صالحة جدا لنقل علوم الغرب وفنونه وصناعاته إلى مصر علما وعملا، وسنترجم لمن اشتغل بالترجمة من أعضاء البعثات في الفصل الخاص بالمترجمين، ثم نذكر في قائمة الكتب المترجمة أسماء الكتب التي ترجمها هؤلاء المبعوثون في مختلف العلوم والفنون.
ويكفي أن نشير هنا إلى بعض الحقائق، ومنها: (1)
أن عثمان نور الدين (باشا) - وهو أول مبعوث مصري إلى أوروبا - كان «ساعد الحكومة الأيمن في ترجمة الكتب؛ فقد خصص له قصر إسماعيل بن محمد علي في بولاق، وألحق به بعض المترجمين ليترجموا «كتب الفنون الحربية وسائر الصنائع».»
5 (2)
وأن أعضاء البعثة البحرية التي أرسلت إلى إنجلترا سنة 1829، قاموا بعد عودتهم - إلى جانب عملهم في الأسطول المصري، بترجمة اللوائح البحرية الإنجليزية لاستعمالها في البحرية المصرية.
6 (3)
وأنه كان يعهد إلى بعض أفراد البعثات بترجمة كتاب يتصل بفنه الذي يدرسه كما عهد إلى علي عبد الرحيم أفندي عضو بعثة سنة 1829 الصناعية بترجمة كتاب عن معمل القطن، وكما عهد إلى زميله في نفس البعثة حنفي إسماعيل أفندي بترجمة كتاب في صناعة الآلات.
7 (4)
لم يعد للتخصص في الترجمة من بين جميع أعضاء البعثات إلا رفاعة رافع الطهطاوي، غير أنه كان يراعي دائما في منهاج الدراسة إعداد المبعوثين للتخصص في علومهم وفنونهم أولا، ثم إتقان اللغات الأجنبية ثانيا ليترجموا كتبا فيما تخصصوا فيه، فكان أعضاء البعثة الصناعية التي أرسلت إلى فرنسا في أوائل سنة 1830 يدرسون علم بيان اللغة الفرنسية على أستاذ خاص،
8
وكذلك نص في الأمر الصادر بتكوين البعثة الطبية التي كان مزمعا إرسالها إلى فرنسا في أوائل سنة 1848 أن «يتعلموا جميعا اللغة الفرنسية والطب، حتى إذا عادوا إلى مصر اشتغلوا بالترجمة ...»