تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29

وكان في المدرسة مطبعة خاصة بها تقوم بطبع الكتب المؤلفة أو المترجمة التي يدرسها التلاميذ، وقد عين رفاعة الطهطاوي مترجما بهذه المدرسة بعد عودته من فرنسا، وظل يشغل هذا المنصب نحو السنتين.

وقد خلف «سكويرا بك» في إدارة المدرسة مصطفى بهجت أفندي (باشا فيما بعد) يساعده مدرب فرنسي اسمه برونو

Brunhaut

ثم خلفه أحمد أفندي خليل، وأخيرا أصبح «برونو» وحده مديرا للمدرسة حتى أواخر عصر محمد علي، وقد ألغيت هذه المدرسة أيضا في عهد عباس الأول. (4-6) المدارس البحرية

أنشئت في عصر محمد علي مدرسة بحرية في الإسكندرية لإعداد الجند للأسطول ولكنها ألغيت بعد سنة 1836، ثم كانت هناك مدارس للتدريب العملي على ظهر بعض سفن الأسطول؛ ك «المنصورة» و«عكا» و«جناح البحر»، وقد حل أعضاء البعثات المصريون الذين درسوا الفنون البحرية في أوروبا محل الأجانب بعد عودتهم، وتولوا قيادة الأسطول المصري، وكان لهم فضل كبير في «ترجمة اللوائح والقوانين البحرية الفرنسية والإنجليزية».

30

خريطة القاهرة لبيان المدارس التي أنشأها بها محمد علي.

هذه هي المدارس الحربية والبحرية، وقد ترجمت لها وفيها كتب حربية كثيرة، ترجم معظمها عن الفرنسية أو الإنجليزية إلى التركية، والقليل منها ترجم إلى العربية.

الفصل الثاني

| البعثات

أهم أغراضها: تكوين جيل من الأساتذة والعلماء مثقفين ثقافة أوروبية، إعداد المترجمين لترجمة الكتب في مختلف العلوم والفنون، أول عمل كان يعهد به إلى المبعوثين هو الترجمة، تكليفهم بالترجمة وهم في المحجر الصحي، عثمان نور الدين يبدأ حركة الترجمة، ترجمة لوائح البحرية الإنجليزية لاستعمالها في البحرية المصرية، بعض المبعوثين يترجمون كتبا في الفنون التي تخصصوا فيها، عضو واحد تخصص في الترجمة، الباقون أعدوا لإتقان اللغات الأجنبية ليشاركوا في حركة الترجمة. ***

كان الغرض الأول الذي دفع محمد علي إلى إرسال البعثات المختلفة إلى ممالك أوروبا أن يكون في مصر جيلا من الأساتذة والعلماء تلقوا العلم الأوروبي في أوروبا وبلغات أوروبا ليحلوا بعد عودتهم محل الأساتذة والأطباء والمهندسين والضباط والصناع من الأجانب، وقد نجح محمد علي في تحقيق غرضه هذا إلى حد كبير.

أما غرضه الثاني، وهو الذي يعنينا هنا، فهو أن يكون أعضاء هذه البعثات أداة صالحة لنقل علوم الغرب وفنونه، وترجمتها إلى اللغة العربية؛ لأن محمد علي لم يكن - كما ذكرنا آنفا - متطرفا في النقل عن الغرب، وإلا لأبقى أساتذة الغرب، وجعل التعليم في مدارسه بلغات الغرب، ولكنه كان رجلا حصيف الرأي بعيد النظر، فاحتفظ لمصر بقوميتها

1

ولغتها، ونقل إليها علوم الغرب رغم ما كلفته هذه الغاية الحميدة من مشاق وتكاليف.

ولذلك كان أول عمل يسنده محمد علي إلى أعضاء البعثات «إمدادهم بالكتب، والتنبيه عليهم بسرعة ترجمتها»، وقد بلغ من حرص الحكومة على أن يكون لديها أكبر قدر من الكتب المترجمة في أقصر وقت أن كانت تقدم لهم الكتب وهم ما يزالون مقيمين في المحجر الصحي، ثم كانت تحتجزهم في مكان خاص، ولا تدعهم يخرجون إلى أهلهم حتى يتموا ترجمة ما عندهم من الكتب، وكثير منهم كانت الترجمة تشغله عن واجبات وظيفته التي يتقلدها، والبعض منهم لم يكن له من حذق اللغات الأجنبية والعربية، والقدرة على التحرير والكتابة ما يمكنه من ترجمة ما عهد إليه ترجمة صحيحة، فلما أنشئت مدرسة الألسن، وكون قلم الترجمة من خريجيها رفع عن أعضاء البعثات عبء لا شك كان ثقيلا على أكثرهم.

2

وهناك عوامل مختلفة كانت تدفع محمد علي إلى العناية الفائقة بالبعثات، والإكثار منها - كما وكيفا - أول هذه العوامل رغبته الملحة في النهضة بمصر والمصريين في أسرع وقت ممكن، وثانيها أن هؤلاء الأجانب الذين استعان بهم أول الأمر لتعليم المصريين لم يكونوا جميعا «أكفأ من أنجبت بلادهم، بل إن منهم كثيرين كانوا جوابين يضربون في الأرض»،

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ١٩