17
ويعقب الجبرتي على هذا الحادث بقوله: «ثم إن الباشا لما رأى هذه النكتة من حسين جلبي هذا، قال إن في أولاد مصر نجابة وقابلية للمعارف، فأمر ببناء مكتب بحوش السراية، ويرتب فيه جملة من أولاد البلد ومماليك الباشا، وجعل معلمهم حسن أفندي المعروف بالدرويش الموصلي يقرر لهم قواعد الحساب والهندسة وعلم المقادير والقياسات والارتفاعات واستخراج المحصولات.»
17
وكان عدد تلاميذ هذه المدرسة 80 تلميذا، وقد رتب لهم محمد علي الكسى والمرتبات الشهرية، والحمير «مساعدة لطلوعهم ونزولهم إلى القلعة»، وسمي هذا المكتب «بالمهندس خانة»، وأحضر لهم مدرس ثان من الآستانة اسمه «روح الدين أفندي» لتعليم من لا يعرف العربية من التلاميذ، وقد تولى نظارة هذه المدرسة بعد وفاة حسن أفندي.
ويهمنا أن نذكر هنا أن التعليم في هذه المدرسة كان باللغتين العربية والتركية؛ فقد كان تلاميذها من أبناء البلد، ومن أبناء مماليك الباشا، وهؤلاء لا يعرفون العربية، وأنهم كانوا جميعا يتعلمون اللغة الإيطالية، وأن من نوابغ من تعلموا في هذه المدرسة المهندس الكبير ثاقب باشا الذي اشترك فيما بعد في إنشاء ترعة المحمودية وغيرها، ثم كان مفتشا لعموم ري الوجه البحري، ومنهم أيضا أحمد أفندي الأزهري الذي يقول عنه علي مبارك باشا إنه «كان من طلبة الأزهر، ثم دخل مدرسة المهندسخانة بالقلعة، وتعلم اللغة التليانية، وأخذ رتبة قائمقام، واستمر في خدمة الميري إلى سنة 1265.»
18
وبعد نحو أربع سنوات، أي في أواخر سنة 1235 / 1819 «صدر أمر محمد علي إلى كتخدا بك بتعيين الخواجة قسطي مدرسا بمدرسة تسمى «المهندسخانة» وبأن ينتخب له خمسة أو ستة من التلامذة المتفوقين في الرياضة والرسم من مدرسة القلعة ليقوم بتدريس تلك المواد لهم»،
19
ولم نصل إلى معرفة جنسية «الخواجة قسطي»، أو معرفة اللغة التي كان يدرس بها لهؤلاء التلاميذ.
أما ثالث مدرسة للهندسة؛ فقد كانت كما يرى أمين سامي باشا تتكون من بعض طلبة الأزهر الذين كانوا يدرسون الحساب والهندسة باللغتين العربية والإيطالية في قصر العيني على يد مدرس أجنبي اسمه «الخواجة رسام التودري»، وقد تخرج فيها اثنا عشر طالبا في جمادى الآخرة سنة 1242 / 1826، وعينوا للقيام بالأعمال الهندسية في الوجه القبلي، وأشرف على تمرينهم بعد تخرجهم الشيخ عبد الفتاح (؟) والخواجة يوسف بيروني.
أما رابع مدرسة للهندسة فقد بدأت في شهر ربيع الثاني سنة 1247 / 1831 عندما استدعى محمد علي مهندسا من إنجلترا، وألحق به عشرة من تلاميذ قصر العيني ليتلقوا عنه هذا الفن، وقد نقلت هذه المدرسة بعد سنتين إلى القناطر الخيرية ليسهل على التلامذة مشاهدة الأعمال الهندسية عن كثب، وقد ألحق بهذه المدرسة بيومي أفندي ليكون مدرسا بها، ومساعدا لباشمهندس القناطر، وذلك بعد عودته من فرنسا ونبوغه في دراسة العلوم الهندسية.
وهنا ظاهرة جديدة وهي أن تلاميذ هذه المدرسة كانوا يتلقون علومهم بالإنجليزية أو مترجمة عنها ثم بالفرنسية عندما عين بها بيومي أفندي.
أما خامس هذه المدارس، وهي مسك الختام في هذه المحاولات، وأطول هذه المدارس عمرا، وأبقاها أثرا، فقد افتتحت في 15 المحرم سنة 1250 / 1834 في بولاق، «وفي شوال سنة 1251 ضمت لها مدرسة المهندسين بالقناطر الخيرية، وكان بها ثلاثون تلميذا، ومدرسة المعدنين بمصر القديمة».
20
وقد نظمت مدرسة بولاق على مثال مدرسة الهندسة بباريس، وكانت تدرس بها اللغات الثلاث العربية والتركية والفارسية إلى جانب المواد الرياضية المختلفة.
وفي سنة 1837 قرر الاستغناء عن المدرسين الأجانب وعين بها من المدرسين المصريين محمد بيومي أفندي ومظهر أفندي وبهجت أفندي، وألحق بهم أربعة من أعضاء البعثة الذين عادوا من فرنسا قبل إتمام تعليمهم، وكان يدرس لهؤلاء الأربعة أيضا مسيو لامبير