أنشئت في عصر محمد علي مدارس زراعية مختلفة، كانت أولاها «الدرسخانة الملكية» التي أنشئت في سنة 1245 / 1830، وكان ناظرها محمد أفندي الأدرنة لي ملما باللغات الثلاث العربية والفارسية والتركية، كما كان تلاميذها يدرسون - إلى جانب المواد الزراعية - اللغتين العربية والفارسية، وقد ألغيت هذه المدرسة بعد إنشاء ديوان المدارس.
وكانت ثانيتها مدرسة الزراعة بشبرا الخيمة، وقد أنشئت في سنة 1248 / 1833، وكان يقوم بالتدريس فيها أعضاء البعثة الزراعية الذين عادوا من أوروبا، غير أن هذه المدرسة لم تعمر - كسابقتها - طويلا.
وكانت ثالثتها مدرسة الزراعة بنبروه، وقد أنشئت في أواخر سنة 1251 / 1836، وكان ناظرها الأول يوسف أفندي الأرمني الأصل، وكان قد تلقى علومه في مدينة «روفيل
Roville » بفرنسا، وكان أساتذتها من أعضاء البعثة الزراعية، واختير طلابها من بين تلاميذ قصر العيني، ورأى محمد علي أن يكونوا جميعا من المصريين «لعدم ميل أبناء الترك لفن الزراعة».
14
وقد نصت لائحة تنظيم أوقات الدراسة لهذه المدرسة على أن يقوم «الباشخوجة»، أي المدرس الأول للزراعة بتدريس هذه المادة للتلاميذ، ثم «يقضي بقية ساعات اليوم في ترجمة دروس النبات والموضوعات الأخرى التي يحيل الناظر إليه ترجمتها من الفرنسية إلى العربية».
15
وقد تعثرت هذه المدرسة كثيرا في نظامها وتجاريبها وسيرها إلى أن نقلت في سنة 1255 / 1839 إلى شبرا لتكون قريبة من مدرسة الطب البيطري، وفي أوائل سنة 1260 / 1844 صدر الأمر بنقلها ثانية إلى مدينة المنصورة، غير أنها لم تلبث أن ألغيت بعد شهور قليلة، ووزع تلاميذها - وكانوا أحد عشر تلميذا - «على الجفالك حتى لا ينسوا ما تعلموه».
16
ويقول الدكتور عزت عبد الكريم: «على أن تدريس الزراعة لم يهمل في مصر بعد ذلك؛ فقد أنشئت في نحو سنة 1846 / 1262 مدرسة إدارة الزراعة كقسم من أقسام مدرسة الألسن، ويتعلم فيها التلاميذ الإدارة الزراعية الخصوصية؛ على أنا لا نعلم شيئا عن هذه المدرسة التي أنشئت قبل نهاية عصر محمد علي بنحو عامين.»
16
وقد ذكر عن هذه المدرسة أنه كان بها مصحح هو الشيخ نصر أبو الوفا الهوريني، وهذا يوحي أن يكون بها مترجمون كما كان متبعا في المدارس الخصوصية الأخرى، غير أنا لم نعثر على أسماء هؤلاء المترجمين، إلا أن يكونوا هم مدرسي المدرسة، والذي لا شك فيه أن هناك كتبا في علمي النبات والزراعة ترجمت في هذا العهد، وفي المدارس الزراعية كما نرجح. (2-2) المدارس الهندسية
كما تعددت المدارس الزراعية في عصر محمد علي، كذلك تعددت المدارس الهندسية؛ وذلك أن محمد علي كان وهو في دور «تنظيم البيت» في حاجة إلى تجديد كل شيء واستثمار كل شيء، وكان في حاجة أيضا - وهو يجدد وينظم - إلى الأعوان العالمين أو المتعلمين، وخاصة إلى المهندسين الذين يمسحون له الأرض، ويحفرون الترع ويقيمون الجسور والقناطر، وينشئون المصانع، ويشرفون على إدارتها، ويدرسون طبقات الأرض، ويبحثون عن معادنها، ويتصلون بالجيش، ويبنون له ثكناته وطوابيه واستحكاماته، ويضعون له خططه ... إلخ ... إلخ؛ ولهذا كله نرى أن محمد علي كان يرحب بكل عالم بالهندسة ويسرع فيلحق به عددا من الطلاب يتلقون عنه، فإذا انتهت الحاجة إلى هذه المدرسة التي خلقتها الحاجة والظروف، ألغيت، ثم لا يلبث أن ينشئ غيرها، وهكذا، حتى بلغ عدد المدارس الهندسية التي أنشئت في عصر محمد علي خمس مدارس.
كانت أولاها «مكتب المهندسخانة» بالقلعة، وقد أنشأه محمد علي في سنة 1231 / 1815 استجابة لما لاحظه في أبناء مصر من «نجابة وقابلية للمعارف»؛ فقد روى الجبرتي أنه «اتفق أن شخصا من أبناء البلد يسمى حسين جلبي عجوة ابتكر بفكره صورة دائرة وهي التي يدقون بها الأرز، وعمل لها مثالا من الصفيح، تدور بأسهل طريقة، بحيث إن الآلة المعتادة إذا كانت تدور بأربعة أثوار، فيدير هذه ثوران، وقدم ذلك المثال إلى الباشا، فأعجبه وأنعم عليه بدراهم، وأمره بالمسير إلى دمياط، ويبني بها دائرة، ويهندسها برأيه ومعرفته، وأعطاه مرسوما بما يحتاجه من الأخشاب والحديد والمصروف، ففعل وصح قوله، ثم فعل أخرى برشيد، وراج أمره بسبب ذلك.»