17
وقد بدأ قاسم أفندي يجدد في الطريقة، فقصر المعجم السابق على أسماء البلدان، ثم ألحقه بمعجم آخر لأسماء الأعلام، أو «معجم الرجال الموجودين في هذا الكتاب» على حد تعبيره.
غير أننا نأخذ على هذه المعاجم أو القواميس الصغيرة كلها أنها أهملت ذكر الألفاظ والمصطلحات بالحروف اللاتينية إلى جانب الحروف العربية، ولو أن المترجمين فعلوا هذا لأعفوا أنفسهم من الإطالة في ذكر طريقة النطق بالأسلوب القديم.
وقد كان لتلاميذ الألسن وخريجيها جهود في حركة وضع القواميس، فصنف خليفة أفندي في سنة 1264 قاموسا للغات الثلاث: العربية والتركية والفارسية، ونشرت الوقائع المصرية في العدد 122 بتاريخ 9 شعبان 1264 «أن اليوزباشي محمود خليفة أفندي المتخرج من مدرسة الألسن بالأزبكية قد ألف رسالة تشتمل على مفردات اللغات الثلاث العربية والتركية والفارسية، فصدر الأمر بطبع ما يلزم منها على نفقة الميري، وإعطاء الأفندي المومى إليه ربحها ليحصل بذلك على السرور، وينال الحظ الموفور».
وذكر صالح مجدي في ختام رسالته عن رفاعة «حلية الزمن» ثبتا بأسماء تلاميذه؛ فقال إن من بينهم «مصطفى بك السراج، وقد شرع في عمل قاموس فرنسي عربي لم يتمه».
وقد امتد أثر رفاعة وتلاميذه في هذا الميدان إلى المدارس الأخرى؛ ففي مدرسة المهندسخانة اتبع بعض أساتذتها الطريقة السابقة، فألحق أحمد أفندي فايد مثلا بكتابه «الأقوال المرضية في علم بنية الكرة الأرضية» نبذة في 38 صفحة «تشتمل على بيان ألفاظ هذا الفن الاصطلاحية»، ولما خرجت الألسن دفعاتها الأولى عين منها اثنان؛ هما أبو السعود وصالح مجدي في مدرسة المهندسخانة، وعهد إليهما بتدريس اللغة الفرنسية وترجمة ما يلقى من دروس «ووضع قاموس أزمعت المدرسة وضعه في العلوم الرياضية».
18
أما مدارس الطب، فقد قام بالترجمة فيها أول إنشائها طائفة السوريين، وقد بذلوا في عملهم جهدا اجتهاديا، فلما عاد أعضاء البعثات من الأطباء المصريين ، وبدءوا يشاركون في حركة الترجمة، كانت مهمتهم أسهل من مهمة أسلافهم السوريين؛ وذلك لأنهم كانوا - إلى إتقانهم اللغتين العربية والفرنسية - على علم بالعلوم الطبية ومصطلحاتها.
ولكنهم مع هذا كانوا في حاجة إلى قاموس طبي، ولم يتبع طريقة رفاعة في مدرسة الطب إلا الدكتور «برون» في كتابه «الجواهر السنية في الأعمال الكيماوية»؛ فقد ألحقه بذيل في 119 صفحة «لشرح الآلات الواردة في الكتاب»، ورتب هذا الذيل على حروف المعجم الشيخ التونسي مصحح الكتاب، وقدم له بقوله: «وبعد، فلما من الله سبحانه وتعالى بإتمام كتاب الكيميا للماهر في جميع الفنون، ناظر مدرسة الطب البشري الشهير «برون»، وكانت فيه أعمال جمة، تحتاج إلى آلات معرفتها مهمة، وكان لم يذكر في الكتاب منها إلا القليل، فقصد أن يجمع جميع الأشكال، ويجعلها كالذيل ليكون بها الإتمام، ولأجل أن تكون كلها مجموعة في ورقات قيلة، لتسهل مراجعتها في المهمات الجليلة، فجمعها في هذه الورقات، ووضحها أتم توضيح كما هو المقصود للمراجعات، وأمرني أن أرتبها على حروف المعجم لتكون في المراجعة أسهل وأقوم، فامتثلت أمره لما فيه من الفوائد ... إلخ.» ومن الآلات التي شرحت في هذا المعجم: الأنبوبة، والأنبيق، والبوتقة، والجفنة، وجهاز تعيين الوزن النوعي للهواء والغازات ودورق ولف، والمخبار، والمرشح ... إلخ. وكلها ألفاظ واصطلاحات لهؤلاء الطلائع الفضل في كشفها أو صياغتها فإننا لا نزال نستعملها حتى الآن في كتبنا الكيمائية.
غير أن كثرة الكتب الطبية التي ترجمت كانت تتطلب إيجاد أو ترجمة قاموس طبي، وقد بدأت المدرسة بترجمة قاموس صغير
19
في هذا الموضوع من تأليف «نايستن
Nysten »
20
ولكنه لم يف بالغرض، فأحضر كلوت بك من فرنسا «قاموس القواميس الطبية