تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

وتداولا، بل لقد كانت لغة المخاطبات الرسمية حتى بين القنصليات غير الإيطالية، وكان هؤلاء الإيطاليون يعرفون العربية، كما كان عامة الأهالي في الثغور المصرية، وخاصة الإسكندرية، يتكلمون الإيطالية، يقول رفاعة عند كلامه عن الإسكندرية في «رحلته إلى باريس»: إن أغلب السوقة بهذه المدينة «يتكلم ببعض شيء من اللغة الطليانية».

16

فلما انتهت مذبحة القلعة، وأصبح أولاد المماليك وغلمانهم ملكا لمحمد علي، بدأ الخطوة الأولى لإصلاح الجيش، فأنشأ لهؤلاء الغلمان مدرسة في القلعة على نمط مدارس المماليك القديمة، غير أنه كان يدرس فيها إلى جانب الفنون الحربية اللغات العربية والتركية والإيطالية؛ فاللغة الإيطالية هي أول لغة أوروبية قرر تدريسها في مدارس محمد علي.

وسنجد فيما بعد أيضا أن اللغة الإيطالية ستدرس في مدرستي بولاق وقصر العيني ثم في مدرسة المهندسخانة ببولاق، وفي بعض المدارس الحربية في سنيها الأولى.

وعندما فكر محمد علي في إرسال البعوث إلى أوروبا، كانت أول بعثاته في سنة 1809، وثانيتها في سنة 1813 إلى مدن إيطاليا المختلفة: ليفورن، وميلانو، وفلورنسا، وروما، وذلك لدراسة فن سبك الحروف، والطباعة، وبعض الفنون العسكرية وبناء السفن، ونظم الحكم. «ومن إيطاليا استدعى محمد علي المعلمين للمدارس، والضباط المدربين للجيش، واشترى آلات الطباعة، والكتب التي دفعها إلى المترجمين لينقلوها إلى التركية أو العربية.»

17

وقد ذكر كلوت بك في تقريره عن الطب في مصر الذي قدمه في ديسمبر سنة 1837 للدكتور «بورنج

Bowring » مبعوث الحكومة الإنجليزية في مصر، أنه بدأ عمله في مصر والإدارة الصحية يشرف عليها - في معظمها - الإيطاليون، ثم ذكر في إحصائية صغيرة أن مائة وخمسة من الأطباء والصيادلة في الجيش والمستشفيات العسكرية كانوا من الإيطاليين، واثنين وثلاثين من الفرنسيين، وستة من الإنجليز، وخمسة من الألمان، وأربعة من البولنديين، واثنين من الإسبان.

18

وعندما استقدم محمد علي بعثة حربية من فرنسا للاشتراك في تنظيم جيشه، كتب الجنرال «بواييه

Boyer » رئيس هذه البعثة إلى صديقه المسيو «جومار

Jomard » عضو المجمع العلمي الفرنسي، والمشرف على بعثات محمد علي إلى فرنسا فيما بعد - يقول: «وجدت أن إدارة الشئون كلها في مصر في أيدي الإيطاليين، واللغة الفرنسية في المحل الثاني، ولا يعلمون في المدارس الحربية سوى اللغة الإيطالية، ولا يترجمون سوى الكتب البسيطة التي وضعها مؤلفون من ذلك الشعب، ومدرسو الرياضيات واللغات، والعلوم، والفنون، وغيرها، كلهم إيطاليون، وفي كل عام يرحل إلى أوروبا ثلاثون أو أربعون شابا ليتعلموا علومها وفنونها، وإلى «بيزة» يتجهون حتى في دراسة الفنون الحربية، ويظهر الوالي دهشته من هذا التفوق الإيطالي، وإنهم ليبثون في ذهنه المخاوف من ناحية الفرنسيين (الخادعين)، أما من ناحية الإيطاليين فلا يجب أن يخشى شيئا ...»

19

ومن الفقرة الأخيرة من هذا الاقتباس نعلم مبلغ المرارة التي كان يحسها الفرنسيون من تفوق الإيطاليين ولغتهم في حكومة وإدارة ومدارس وجيش محمد علي؛ ولهذا نلاحظ أن الفرنسيين سيبذلون كل الجهود للقضاء على هذا النفوذ لكي تكون لهم وللغتهم الصدارة بين الأجانب واللغات الأجنبية في مصر، وقد ساعدهم على ذلك أن الطوائف الأولى من الإيطاليين لم تكن من العنصر الممتاز، بل كان معظمهم يشبهون ذلك اللفيف من الأطباء الذين وصفهم «إدوار جوان» بأنهم كانوا: «من أفاقي اليونان والطليان»، وذلك في الوقت الذي ترك فيه الفرنسيون القلائل الذين التحقوا بخدمة محمد علي، وخاصة «الكولونيل سيف» و«كلوت بك» أطيب الأثر وأجمله.

وهناك عامل شخصي قد يكون له بعض الفضل في التمهيد لغلبة الفرنسيين على الإيطاليين، وذلك أن محمد علي كان قد اتصل في شبابه بتاجر فرنسي اسمه «المسيو ليون»،

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ١٠