تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

وقد أخلص له هذا الرجل الود والإخاء، وأفاده كثيرا بخبرته في شئون التجارة، كذلك قد يرجع بعض الفضل إلى أن فرنسا كانت تسعى - برجالها وعلمائها وضباطها - إلى مصر وإلى محمد علي سعيا؛ فقد كانت تعتبره منفذا ومتمما لما بدأه علماء الحملة من أبحاث، ولما بدأته الحملة نفسها من إصلاحات.

وأخيرا لقد كان لمركز فرنسا الدولي الممتاز حينذاك - كدولة من دول البحر الأبيض المتوسط - أثر كبير في إشاحة محمد علي وجهه عن إيطاليا والإيطاليين، واتجاهه في سياسته الإصلاحية نحو فرنسا والفرنسيين.

نجحت فرنسا في حلبة هذه المنافسة، وألغيت اللغة الإيطالية شيئا فشيئا من المدارس المصرية، واستغني عن الضباط والمدرسين الإيطاليين واستعيض عنهم بضباط ومدرسين فرنسيين، وعدل عن ترجمة الكتب الإيطالية، وألغيت البعوث الإيطالية فغدت ترسل - في معظمها - إلى فرنسا، وفي كلمة واحدة لقد تحولت مصر عن النقل عن الثقافة الإيطالية إلى النقل عن الثقافة الفرنسية، وسيكون لهذا أثره الملحوظ كما ذكرنا، فستظل مصر طول القرن التاسع عشر مصطبغة بالصبغة الفرنسية في شتى نواحيها التفكيرية، غير أنه لزام علينا أن نشير في ختام هذا الموضوع إلى أن محمد علي لم يكن أسيرا لحبه لفرنسا وللثقافة الفرنسية وحدها، بل كان يحب دائما أن يستعين برجال كل دولة امتازت في ناحية من نواحي العلم والعرفان، فكانت من بعثاته بعثات أرسلت للنمسا وإنجلترا، كما كان يدير بعض مدارسه ويعلم فيها أفراد من الإسبانيين والإنجليز وغيرهم.

الباب الأول

| الأدوات غير المباشرة للترجمة في عصر محمد علي

الفصل الأول

| المدارس

متى بدأ محمد علي سياسته الإصلاحية؟ (1) المدارس الطبية: مدرسة الطب البشري، حاجة الجيش إلى أطباء، كلوت بك ينشئ المدرسة، صعوبة اللغة، كيف تغلب عليها، الاستعانة بالمترجمين، عيوب هذه الطريقة، طرق علاجها، مدرسة الصيدلة، مدرسة الولادة، مدرسة الطب البيطري، جهودها في الترجمة. (2) المدارس الفنية: المدارس الزراعية، المدارس الهندسية، جهودها في الترجمة، وأثر هذه الجهود. (3) المدارس الصناعية: مدرسة الكيمياء، مدرسة المعادن، مدرسة العمليات. (4) المدارس الحربية والبحرية: مدرسة أسوان، مدرسة أركان الحرب، مدرسة البيادة، مدرسة السواري، مدرسة الطوبجية، المدارس البحرية، جهودها في الترجمة. ***

يصح أن نعتبر سنة 1811، وهي السنة التي قضى فيها محمد علي على المماليك، بدءا للسياسة الإصلاحية المحمدية العلوية، ففي عقبها أنشأ المدرسة الحربية الأولى لتعليم أولاد المماليك وغلمانهم بالقلعة، وكانت اللغة الإيطالية هي اللغة الغربية التي تدرس في هذه المدرسة، كما كان المدربون الأجانب من الإيطاليين، وقبيل هذه السنة أيضا بدأ محمد علي التفكير في الناحية الأخرى من الإصلاح، فأرسل في المدة ما بين سنة 1809، و1816 بعثات مختلفة إلى إيطاليا، فركنا الإصلاح الجديد، وهما: المدارس الحديثة والبعثات، بدئ في تشييدهما في حدود هذه السنة وبعدها، وسيستمر هذا التشييد حتى نهاية عهد محمد علي؛ فالمدارس تنشأ الواحدة بعد الأخرى حسب حاجة البلاد، وتنفيذا لرغبة محمد علي، والبعثات ترسل لبلدان أوروبا المختلفة البعثة بعد البعثة تحقيقا لسياسة ولي النعم التي ترمي إلى إحلال المصريين محل الأجانب.

وسنحاول أن نتتبع في الصفحات التالية خطوات التشييد لهذين الركنين: المدارس والبعثات: وسوف نعنى في هذا الموجز بالنواحي التي تعيننا على دراسة تاريخ الترجمة في ذلك العصر؛ كتحديد اللغات الأجنبية التي كانت تدرس في كل مدرسة، والإشارة إلى من تولى إدارة المدارس والتعليم فيها من الأجانب، وإلى جهود كل مدرسة في الترجمة، أما التاريخ التفصيلي للمدارس في هذا العهد فسنغضي عنه عامدين؛ لأننا لا نؤرخ للتعليم بوجه عام، بل للترجمة بوجه خاص. (1) المدارس الطبية (1-1) مدرسة الطب البشري

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ١١